إظهار جميع النتائج

مستجدات فيروس كورونا (كوفيد-19)

للاطلاع على آخر المعلومات والمستجدات من مؤسسة قطر حول فيروس كورونا، يرجى زيارة صفحة التصريحات الخاصة بمؤسسة قطر

قصة | التعليم
6 May 2021

مقال رأي: النوع الاجتماعي والهجرة والنظم الحدودية – دروس مستفادة من قصة عايدة

مشاركة

الصورة الأساسية: عائلة سورية تتوجه إلى مخيم مؤقت للمهاجرين واللاجئين في ليسبوس، اليونان. الصورة صدرم: YARA NARDI ، موقع عبر REUTERS

د. صوفي ريختر-ديفرو، أستاذ مشارك في برنامج ماجستير الآداب في دراسات المرأة في المجتمع والتنمية، بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة حمد بن خليفة، عضو مؤسسة قطر، تتحدث عن الآثر المترتب على الفتيات جرّاء تشديد القيود في قانون اللجوء والهجرة في الاتحاد الأوروبي

أكدت عايدة في بداية حديثها على خوفها من البحر، وأنها كانت تتمنى السفر عبر الحدود البرية في إفروس. وفي النهاية استقلت زورقًا صغيرًا من شواطئ تركيا لتصل إلى جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه. ومن هناك واصلت رحلتها إلى العاصمة اليونانية أثينا حيث التقينا في صيف 2019.

صوفي ريختر-ديفرو

في ذلك الوقت، كانت عايدة في منتصف العشرينات من عمرها وعلى سفر منذ أربع سنوات بعد هروبها من سوريا ، وقد أخذتها الرحلة إلى بلدان كثيرة وعبرت العديد من الحدود، من حلب إلى بيروت ثم إلى سوريا مرة أخرى، ثم من إدلب إلى تركيا حيث ألقي القبض عليها وتم ترحيلها إلى سوريا عدة مرات. وفي النهاية وبعد محاولتين فاشلتين استطاعت عبور بحر إيجه إلى اليونان.

اليونان بالنسبة لغالبية المهاجرين مجرد ممر، فلا يريدون التقدم بطلب للجوء إليها والاستقرار فيها

د. صوفي ريختر-ديفرو

عايدة واحدة من السوريين الكثيرين الذين سلكوا طريق تركيا واليونان للوصول إلى وجهتهم النهائية في أوروبا الوسطى أو الشمالية. وفي عام 2018، وهي السنة التي وصلت فيها عايدة إلى جزيرة خيوس اليونانية، تلقى الاتحاد الأوروبي 85575 طلبًا للحماية الدولية من جانب السوريين (وفق تقرير المكتب الأوروبي لدعم اللجوء لعام 2018). خصص 13390 طلبًا منها باللجوء إلى اليونان (تقرير قاعدة بيانات اللاجئين - المجلس اليوناني للاجئين). ومع ذلك لا تعكس هذه الإحصائيات الأرقام الحقيقية للسوريين الذين يصلون إلى اليونان أو يمرون عبرها، إذ أنه من المرجح أن هذه الأعداد قد تجاوزت 20 ألفًا في 2018. ومن العسير الحصول على الأعداد الرسمية المعتمدة لأن اليونان بالنسبة لغالبية المهاجرين مجرد ممر، فلا يريدون التقدم بطلب للجوء إليها والاستقرار فيها. وعايدة هي الأخرى لم تودع طلب اللجوء لدى اليونان، بل فضلت أن تبقى بدون أوراق مسجلة فهذا يسّهل الجزء الأخير من رحلة الهجرة إلى ألمانيا التي تعتزم السفر إليها لتنضم إلى أسرتها من جديد.

وكانت خطة عايدة في تجنب التسجيل والبقاء بصورة "غير رسمية " أو "غير شرعية" في اليونان أمرًا مألوفًا، فغالبية المهاجرات صغيرات السن لا يطلبن حق اللجوء إلى اليونان حتى تكون لديهن خيارات أكبر في عبور الحدود والوصول إلى الوجهة المقصودة والانضمام إلى أسرهن من جديد. ويُبرز تجنب التسجيل الطبيعة الجندرية لنظام الهجرة والحدود في الاتحاد الأوروبي. وينبع ذلك من عدة عوامل مترابطة، منها ما يلي:

لوائح دبلن، التي لا تزال تشكل الأساس لنظام الحدود واللاجئين واللجوء لدى الاتحاد الأوروبي وتلزم طالبي اللجوء بتسجيل طلب اللجوء والبقاء في أول دولة أوروبية يدخلونها حتى يتم البت في أوراق الانتقال أو الالتحاق بأسرهم. وبمجرد حصول الشخص على حق اللجوء (وفي الأغلب يكون الشخص ذكرًا) يمكنه التقدم بطلب للالتحاق بأسرته لكن يقتصر ذلك على الأقارب من الدرجة الأولى. ولذا يقتضي هذا الأمر تحول قانوني من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النواة (nuclear family) والفرد .

بالنسبة لعايدة التي يقيم والداها وأشقاؤها في ألمانيا، فإن المسار القانوني كان مغلقًا في وجهها".

د. صوفي ريختر-ديفرو

وعند الانتقال من نص القانون إلى التطبيق العملي، تتضاءل فرص الحركة والانتقال عبر الحدود. وقد كان لم شمل الأسرة يشمل في السابق الأخوة والإخوات أو الوالدين وأبناءهم البالغين، لكن تغير تفسير القانون في الوقت الحالي فأصبح مقتصرًا على الزوجين والآبوين والأبناء القاصرين. وحتى في هذه الحالات، عادة ما يتم رفض الطلب أو تعليق البت فيه. وبالنسبة لعايدة التي يقيم والداها وأشقاؤها في ألمانيا، فإن المسار القانوني كان مغلقًا في وجهها. ولم تسجل طلب اللجوء في اليونان، إذ معنى هذا أن تظل عالقة هناك أو يتم ترحيلها. والسجلات الورقية الحالية لتسجيل حالة اللجوء وأول دخول لها إلى الاتحاد الأوروبي في جزيرة خيوس سيدفع السلطات الألمانية إلى ترحيلها إلى اليونان بموجب لوائح دبلن. ولهذا، فإنه بدون التسجيل وعبر سلوك طرق التهريب (غير الرسمية) يحظى المهاجرون وطالبو اللجوء بشيء من الشعور بالأمان والقدرة على الحركة عبر نظام الحدود في الاتحاد الأوروبي.

إن التشديد في قانون اللجوء والهجرة في الاتحاد الأوروبي يطال بشكل خاص المهاجرات الشابات من أمثال عايدة. فلو سجلن طلب اللجوء في اليونان، فأفضل فرصة لديهن إن لم تكن الوحيدة أن ينتقلن قانونيا عبر الزواج وبالتالي يكون من حقهن لم شمل الأسرة. وبالفعل تحدثت عايدة عن تلقيها عدة عروض للزواج من سوريين حصلوا على حق اللجوء والإقامة في ألمانيا، لكنها ترفض الدخول في هذه الارتباطات وتفضل الطريق "غير القانونية".بالطبع لا يضمن الزواج حرية الحركة والتنقل عبر الحدود الأوروبية التي تحكمها قبضة شرطية مشددة.

قامت منظمة العفو الدولية بعرض لافتة ضوئية تعكس جملة "مرحباً باللاجئين" على جانب الأكروبوليس في اليونان في عام 2019 ، للفت الانتباه إلى محنة اللاجئين المحاصرين في الجزر اليونانية.

وقد التقيت العديد من الفتيات السوريات في أثينا، وبعضهن لديه أطفال، والزوج مقيم في ألمانيا أو في أي دولة من دول أوروبا الشمالية أو الوسطى. ورغم استيفاء شروط لم شمل الأسرة إلا أن الطلبات اللاتي تقدمن بها قد رفضت أو عُلقت دون بت فيها وبقين عالقات وحدهن في أثينا. وفي الواقع تفضل الكثيرات البقاء بلا أوراق مسجلة مثل عايدة في انتظار اللحظة المناسبة لعبور الحدود بشكل “غير قانوني” للانضمام إلى أزواجهن. وقد التقيت أيضًا بالكثير من الشابات التي فسخن الخطبة أو تحدثن عن وقوع العديد من المشكلات مع أزواج (المستقبل). وقد تعجل الكثير منهن في إتمام الخطبة أو الزواج، بل جرت بعض هذه الحالات دون سابق لقاء بالزوج.

اللجوء إلى حيلة الزواج للتمكن من الهجرة تنطوي على ديناميكيات جندرية معقدة ويمكنها أن تعرض النساء للخطر

د. صوفي ريختر-ديفرو

واللجوء إلى حيلة الزواج للتمكن من الهجرة تنطوي على ديناميكيات جندرية معقدة ويمكنها أن تعرض النساء للخطر. وحتى يتحقق الالتزام بالقانون وتستوفي النساء الشروط اللازمة للم شمل الأسرة يتعين على المهاجرات اللجوء في حذر وبشكل استراتيجي أحيانا إلى ممارسات الهدف منها تكوين أسرة، مثل الزواج. ومعنى هذا الدخول في علاقة فعلية من المحتمل أن تكون استغلالية. وعلاوة على ذلك فإن الفتيات المهاجرات لا بد لهن من الحفاظ على قواعد الاحتشام المقررة لتزداد فرصهن في الزواج.

ولذا فإن القدرة على التحرك عبر الحدود بالنسبة للنساء الشابات من أمثال عايدة تتحكم فيها أمور عدة لا تقتصر على قانون اللجوء والهجرة في الاتحاد الأوروبي بل من بينها هيكل وأعراف العلاقات والقرابة. ولا شك أن الهياكل الأسرية وأعرافها تتقاطع مع النظم الحدودية القانونية وغير القانونية مما يشكل مصفوفة هيكلية معقدة من السيطرة والتحكم تكون ظالمة ومجحفة للمهاجرات الشابات. وهنا تكون النظرة الثقافية والقانونية للنساء أنهن تابعات للرجال. فقانون الهجرة في الاتحاد الأوروبي الذي يُفترض أنه علماني، عقلاني، تقدمي، محايد من حيث الجنس، فيُلزم الشابات بالدخول في علاقات من المحتمل أن تكون تمييزية. وهنا تأتي القوانين والممارسات المتعلقة بطلب اللجوء والمواطنة والهجرة لتعمل جنبًا إلى جنب مع نظم القرابة الممأسسة والمحافظة لتشكيل نظم حدودية تعتمد على النوع الاجتماعي بصورة كبيرة.

  • "عايدة" هو اسم مستعار لإخفاء هوية المشارك في البحث.
  • د. صوفي ريختر-ديفرو، أستاذ مشارك في برنامج دراسات المرأة في المجتمع والتنمية بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة حمد بن خليفة، عضو مؤسسة قطر، وزميلة شرف بالمركز الأوربي للدراسات الفلسطينية بجامعة إكستر البريطانية. تتمحور الاهتمامات البحثية لصوفي ريشتر-دفرو حول الحقول المعرفية الخاصة بسياسات الحياة اليومية والنشاط النسوي السياسي في الشرق الأوسط.
  • ترتكز اسهاماتها الأكاديمية على العمل الميداني طويل المدى في كلً من فلسطين ولبنان والأردن واليونان.وقد نشرت الكثير من الدراسات عن النشاط السياسي للنساء، اللجوء الفلسطيني، الإنتاج الثقافي الفلسطيني، واللجوء السوري، وعن بدو النقب، ومن أهم مؤلفاتها كتاب "النشاط السياسي للنساء في فلسطين، بناء السلام، المقاومة، والنجاة"، مطبوعات جامعة إلينوي، ٢٠١٨.

قصص ذات صلة