تعزيز الأمن المائي

    RESIZED Screen shot 2013-10-09 at 11.jpgتعاني دولة قطر من نقص الموارد المائية لدرجة أنه في حالة حدوث أي أمر طارئ يهدد مصادر المياه بها فلن يصمد مخزونها من المياه سوى يومين فحسب، ورغم ذلك، لطالما عانت مصادرها المحدودة من المياه الجوفية من إساءة الاستخدام، الأمر الذي تنعكس آثاره بقوة على مستوى جودة المياه في ظل سرعة استنزاف المخزون المائي.

    ومن أجل مجابهة مشكلات المياه، يكرّس معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة جهوداً جمّة لإيجاد حلول من شأنها أن تحافظ على مخزون دولة قطر من المياه، في ظل الاعتماد المتزايد على تحلية مياه البحر لتلبية الاحتياجات المتنامية من المياه الصالحة للشرب.

    تولّى الدكتور محمد درويش – باحث رئيس في برنامج الأمن المائي وتحلية المياه بمعهد قطر لبحوث البيئة والطاقة – مهمة تقييم الموارد المائية الحالية المتاحة لدولة قطر، ويعكف مع فريقه الآن على تنفيذ مشروعات تجريبية ترمي إلى زيادة موارد المياه في دولة قطر بطريقة بيئية رشيدة.

    أشار الدكتور درويش إلى حقيقة أن استهلاك الأفراد للمياه في دولة قطر يصل إلى معدلات مرتفعة للغاية، حيث يستهلك الفرد نحو 600 لتر يومياً من المياه التي توفرها الحكومة، مقارنةً بمعدل استهلاك يتراوح بين 150 لتراً إلى 250 لتراً خارج دولة قطر. ولذا، فقد أضحت دولة قطر أكثر اعتماداً على المياه المحلاة من أجل تلبية نحو 99% من احتياجات المياه المحلية، غير أن أساليب تحلية المياه المتبعة في دولة قطر وفي معظم دول مجلس التعاون الخليجي تستهلك الكثير من الطاقة مما ينعكس على أسعار المياه التي تغدو عالية للغاية، ناهيك عن آثارها وتداعياتها على البيئة.

    تستخدم دولة قطر في الوقت الحالي نظامين لتحلية المياه، هما نظام «التقطير الومضي متعدد المراحل»، ونظام «الضغط البخاري الحراري متعدد التأثير»، يعتمد كلاهما على الحرارة من أجل تحويل الماء من الحالة السائلة إلى الحالة إلى الحالة البخارية.

    وبينما يتميز هذان النظامان بقلة التعقيدات المرتبطة بالإنشاء والصيانة مقارنةً بغيرهما، إلا أنهما يستهلكان قدراً كبيراً للغاية من الطاقة. ويعني استخدام التقطير الومضي متعدد المراحل أن إنتاج متر مكعب واحد من المياه المحلاة يستهلك فعلياً نحو 5 كيلوجرامات من الوقود.

    أشار الدكتور درويش إلى أنه بخلاف دول مجلس التعاون الخليجي الثرية بالموارد النفطية، فإن باقي دول العالم تستخدم نظام تحلية يعرف باسم «التناضح العكسي لمياه البحر» يتميز بأنه لا يستهلك سوى ربع مقدار الطاقة المستخدمة في النظامين الآخرين، بما يتراوح بين 4-5 كيلوواط ساعي لكل متر مكعب من المياه.

    قال الدكتور درويش: "برز نظام «التقطير الومضي متعدد المراحل» إلى الوجود في ستينيات القرن الماضي، حينما كانت أسعار الطاقة زهيدة، إلى جانب التكلفة المرتفعة لهذين النظامين، فإنهما يتسببان في حدوث آثار وتداعيات سلبية على البيئة".

    كما أن الأنظمة القديمة تؤثر بشكل مباشر على الحياة البحرية في ظل عمليات سحب المياه من البحر ليتم معالجتها، فمن أجل تحلية متر مكعب واحد من المياه بواسطة نظام «التقطير الومضي متعدد المراحل»، يتم سحب كمية مياه تبلغ 10 أضعاف ذلك، بينما عند استخدام نظام «التناضح العكسي لمياه البحر» تنخفض تلك الكمية إلى 3 أضعاف.

    أمّا المياه شديد الملوحة المتخلفة عن عملية التحلية فيتم صرفها مرة أخرى في البحر، ونظراً لنسبة الكلور العالية التي تحويها هذه المياه فإنها تتسبب في آثار سرطانية وتقتل معظم الكائنات البحرية التي تعيش في محيط منشأة تحلية المياه.

    تكمن معظم العقبات المرتبطة بنظام «التناضح العكسي لمياه البحر» في المرحلة السابقة لمعالجة المياه قبيل دخولها إلى النظام، فأي جسيم صغير من شأنه أن يسبب مشكلات في النظام، ومن ثم فإن المرحلة السابقة لمعالجة المياه ينبغي تصميمها بشكل معين يتواءم مع أنواع المياه المختلفة والتحديات الجغرافية المحددة المرتبطة بكل منطقة. فعلى سبيل المثال، تزداد نسبة ملوحة مياه الساحل الغربي لدولة قطر، إذ تبلغ نحو 57 ألف جزء في المليون، مقارنةً بنظيرتها في الساحل الشرقي، التي تبلغ نسبة الملوحة بها 42 ألف جزء في المليون.

    وبينما يتم تنفيذ هذا المشروع، يعكف معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة على جانب مهم آخر يتمثل في التعاون مع جامعة جنت في بلجيكا، حيث يسلّط الضوء من خلال هذا التعاون على سبل إعادة تدوير المياه المستخدمة لتغدو مياه صالحة للشرب مرة أخرى تمهيداً لحقنها في جوف الأرض كوسيلة لزيادة احتياطيات المياه الجوفية وتعزيز المخزون الاستراتيجي لدولة قطر.

    صرّح الدكتور درويش قائلاً: "ينبغي تبنِّي منهج تعاوني متكامل من أجل التعامل مع قضايا المياه". واستطرد مفسراً أن معالجة المياه المستخدمة أسهل وأرخص بكثير من معالجة مياه البحر. وفي المعتاد، تمر المياه المستخدمة بثلاث مراحل من المعالجة، مما يجعل التخلص منها أمراً آمنا بيئياً، سواء في البر أو البحر. وأشار الدكتور درويش إلى أنه في حال مرور هذه المياه بمرحلة رابعة من المعالجة تتضمن التناضح العكسي فإنها تغدو مياه صالحة للشرب مرة أخرى. وأضاف موضحاً أن احتياطي المياه الجوفية ينضب مع الوقت، وثمّة مزارع كثيرة أُغلقت بسبب زيادة مستوى ملوحة المياه واستخدام مياه مالحة غير مناسبة في ري المزروعات.

    في الوقت الراهن، ينتظر معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة موافقة وزارة البيئة من أجل البدء في حفر الآبار وضخ المياه من المشروع التجريبي المزمع إجراؤه والذي سيمكِّنهم من مواءمة التكنولوجيا الجديدة بحيث تتوافق مع احتياجات دولة قطر وقياس مدى فاعلية استرداد المياه من المستودعات الجوفية عقب ضخها فيها.

    قال الدكتور درويش: "آمل أنه في غضون عام من الآن ستصبح لدينا منشأة اختبارية جاهزة، فثمّة مشكلات حقيقية تواجهها دولة قطر فيما يتعلق بالمياه، إذ تقبع دولة قطر تحت خط الفقر المائي بالنسبة لمصادر المياه المتجددة التي يقتضي أن تبلغ حصة الفرد منها نحو ألف متر مكعب في العام، بينما لا تزيد هذه الحصة في دولة قطر عن 50 متراً مكعباً في العام. في الوقت الذي تزيد فيه نسبة استهلاكنا لمياه المصادر المتجددة بنحو 6 أو 7 مرات عمّا يتم تعويضه منها".

    واختتم الدكتور درويش موضحاً أنه إذ استطاعت دولة قطر تنفيذ مشروع إعادة تعويض موارد المياه المتجددة صناعياً في شتى أنحاء دولة قطر وتمكنت من ضخ نحو 200 مليون متر مكعب في المستودعات الجوفية سنوياً، فإن هذا من شأنه أن يوجد مخزوناً استراتيجياً يستمر لعدة أشهر ويتيح استخدام المياه الجوفية في المشروعات الزراعية مرة أخرى، وهذه تعد أموراً مبشّرة للغاية بالنسبة للبيئة وأبناء دولة قطر.