"لست تقليدياً ولكني مبتكراً"

  • من: .تفكر
  • تاريخ النشر: ١٨ سبتمبر ٢٠١٣
    Alain Ducasse ©Mikael Vojinovic.jpgيعدّ آلان دوكاس من أكثر الطهاة شهرة في العالم، فهو أول من يملك ثلاثة مطاعم في بلدان مختلفة حاصلة على ثلاث نجوم من دليل ميشلان، كما أنّه ثاني اثنين من الطهاة نالا 21 نجمة من دليل ميشلان على مدار حياتهما المهنية. افتتح دوكاس مطعمه الأول في منطقة الشرق الأوسط باسم IDAM «إدام» بمتحف الفن الإسلامي بالدوحة في شهر نوفمبر عام 2012.

    أجرت مجلة «تفكّر.» مقابلة معه تطرّقت لعدد من الموضوعات بدءًا من أهمية تناول الطعام الطازج مروراً بالطهي باستخدام المنتجات المحلية وانتهاءً إلى شرائح الدجاج المقلي

    ما التحديات التي واجهتك في تحديد الأطباق التي ستقدمها في مطعم "إدام"، وإلى أي مدى كان تأثير تقاليد الطهي بمنطقة الخليج على ذلك؟

    يمثّل كل مطعم من مطاعم تحدياً في حد ذاته، وهو ما يرجع لسبب بسيط، فأنا لا أكرر نفسي بل أعمد إلى الابتكار في كل ما أقوم به، ودائماً ما أنشئ المطعم بصورة تتناغم مع المدينة التي يقع بها. فقبل أن أنشئ أي مطعم يقوم الطاهي الخاص بي "رومان ميدر" بدراسة أصناف الطعام الشائعة وطبيعة الموقع والأشخاص الذين يقطنون به، بالإضافة إلى استكشاف وتيرة الحياة والمناخ الذي يسود المكان، وهي مرحلة قد تمتد لفترات طويلة تصل إلى شهور في بعض الأحيان.

    هل من الممكن في يوم من الأيام أن تقدم طبق لحم الإبل المطهو على نار هادئة مصاحباً لطبق كبد البط وسوفلي البطاطس في مطاعمك الأخرى؟ وبعبارة أخرى، هل تعتقد أن المسؤولية تحتم على الطهاة تثقيف رواد المطاعم بأصناف جديدة والتغلّب على شعورهم بالنفور من تناول أصناف غير مألوفة بالنسبة لهم؟ بالطبع لحم الإبل هو مجرد مثال، لكن نجد في نفور الشعوب الأنجلو سكسونية من تناول لحم الحصان أمراً غير عقلاني بالقدر نفسه.

    لا شك بطبيعة الحال أنّ تضييق خياراتنا في تناول الطعام والنفور من تناول أصناف بعينها أمر غير عقلاني على الإطلاق، ولا يتوقف الأمر عند لحوم الإبل فهناك أمثلة عديدة على ذلك، إلا أنني لا أعتقد أنّ دور الطاهي التعامل مع هذه القضايا، فلا يمكن لي تغيير قائمة الأصناف الغذائية التي يتناولها شخص ما، وأقصد من ذلك قائمة المنتجات المقبولة ثقافياً كطعام يمكن تناوله، ولكني أعالج هذا القصور بالبحث بشكل مكثف عن مزيد من الأصناف المقبولة ثقافياً التي عفى عليها الزمن، ومن أبسط الأمثلة على ذلك حبوب الإفطار فهي بطبيعة الحال ضمن الأصناف المقبولة ثقافياً في الدول الغربية، ولكن هناك أنواع عديدة منها رغب عنها الناس لقلة محصولها في أغلب الأحيان منها طبق الحنطة، لذلك كل ما نسعى إليه هو إحياء الأطباق المنسية، أما بالنسبة للحم الإبل، فلن أقوم بنقل ثقافته إلى أماكن أخرى، لأن شعاري دائماً هو "اعتمد الأصناف المحليّة".

    علمنا أنّك في مطعم "إدام" حددت مصادر 80 في المائة من مكونات الأطباق التي تقدمها داخل منطقة الخليج، فهل لهذا النهج علاقة بمذاق ونكهة ما تقدمه من أطباق، أم أن هناك خلفية أخلاقية تهدف منها الحفاظ على البيئة؟

    كلاهما في الواقع، وما أسعدني أن هذا النهج يحقّق هاتين الغايتين، فكلما اقتربت المنتجات التي أستخدمها في إعداد أصناف الطعام، كانت أفضل مذاقاً وأكثر حفاظاً على البيئة، وأضيف على ذلك أنّ تفضيل الإمدادات المحلية على غيرها يسهم في تحسين وضع المنتجين المحليين.

    تقدّم جميع الأصناف في مطعم إدام مطابقة للشريعة الإسلامية بطبيعة الحال، ولا يختلف غير المسلمين داخل الدول الإسلامية عن المسلمين في استمتاعهم بهذه الأصناف، ولكن تسبّبت هذه القضية بجدل كبير في فرنسا عندما أعلن الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي في تقدّم جميع الأصناف في مطعم إدام مطابقة للشريعة الإسلامية بطبيعة الحال، ولا يختلف غير المسلمين داخل الدول الإسلامية عن المسلمين في استمتاعهم بهذه الأصناف، ولكن تسبّبت هذه القضية بجدل كبير في فرنسا عندما أعلن الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي في حملته الرئاسية العام الماضي عن عزمه حظر المأكولات المطابقة للشريعة الإسلامية في المقاصف الإسلامية، وأن الأطعمة الحلال أصبحت "أكثر القضايا التي تشغل الغالبية العظمى من الفرنسيين". وجاء رد الناخبين رافضاً لهذا التوجه، ولكن ما شعورك تجاه هذه القضية؟

    يدور بخلدي تعليقان في هذا الصدد هما: أولا، عندما تكون في روما تصرّف كما يتصرّف الرومان، ففرنسا تحتضن عدداً كبيراً من الأديان إلا أنّها في الأساس دولة علمانية لا تنحاز لدين على آخر. ثانياً، نادراً ما تكون التصريحات الانتخابية مفصلة لتوضح وجهة نظر قائلها بشكل أكثر تحديداً.

    أشار كارلو بيتريني، مؤسس الحركة الدولية للغذاء البطيء، إلى أن وجهة النظر السائدة عن فائدة الطعام التاريخية تتمثل في تحقيق عائد اقتصادي من خلال الزراعة وسد الجوع، في حين أن فائدة فن الطهو هو الاستمتاع بالمذاق والترف المقصورين على الأغنياء. وهو ما علق عليه قائلاً: "إنّ هذا تمييز وتفرقة خاطئة، فالغني كالفقير يستمتعان بالقدر نفسه، وتناول الطعام يعدّ أحد مظاهر هذا الاستمتاع، فهل تتفق معه؟ وإذا كانت هذه وجهة نظرك، فكيف يمكنك تغيير ذلك التصوّر السائد بأنّ فن الطهو أحد المظاهر التي يحتكرها نخبة المجتمع؟

    IDAM©pierremonetta_MG_7387.jpgأتفق تماماً مع وجهة نظره، فأنا أعتقد أنّ التحدي هنا هو توفير طبق طعام يمكن "تناوله بشكل جيد" وهو الأمر الذي يختلف حسب السياق، فالوجبة الجيدة التي تعدّها في 15 دقيقة خلال يوم العمل تختلف عن تلك التي تعدّها مع أصدقائك في أحد أيام الإجازات. كما أنّ وجبة العشاء الحميمة مع زوجتك تختلف عن تلك التي تتناولها في إحدى المناسبات العائلية. وفي كل هذه السياقات، دائماً ما يكون لديك الخيار في تناول طعام لذيذ وصحي، لذلك أضع نصب عيني توفير أكبر قدر ممكن من أصناف الطعام المختلفة حتى أرضي أذواق أكبر شريحة ممكنة من العملاء.

    ولتحقيق ذلك، دشنت مبادرة – ضمن العديد من المبادرات الأخرى – تحت عنوان "دعنا نذهب جميعاً إلى المطعم"، حيث قامت جميع المطاعم المشاركة خلال أسبوع واحد في فرنسا بتقديم وجبات العشاء لشخصين بسعر شخص واحد وذلك في جميع الأماكن بدءًا من المطاعم الحائزة على نجوم دليل ميشلان إلى الحانات الصغيرة. كانت المبادرة بمثابة فرصة رائعة للعملاء لاستكشاف أماكن جديدة لم يجرؤ أحد من قبل على ارتيادها.

    سبق لك أن كشفت عن عشقك لتناول شرائح الدجاج المقلية من ماكدونالدز بمصاحبة صلصة الكاري، فهل هناك أصناف من هذه الشاكلة تشاطرها العشق نفسه؟

    لا أرتاد مطعم ماكدونالدز بشكل معتاد، فأنا أعد نفسي كغيري من العملاء، فأتناول الطعام حسب ما تهوى نفسي وبما يتناسب مع حالتي البدنية وشهيتي. فأنا على سبيل المثال أحب تناول الكاتشب بشكل كبير، حتى أنّي وضعت وصفات متعددة ولذيذة لإعداده في المنزل في كتابي "الطبيعة". وقمت في مطعم ريك، وهو أحد المطاعم المتخصصة في إعداد أطباق الأسماك بفرنسا، بإعداد وجبة من ابتكاري للسمك مع رقائق البطاطس خلال دورة الألعاب الأولمبية في لندن، ولكني لا أشعر بالخجل من هذه الأطباق التي أحب أتناولها.

    بالنسبة لسلاسل المطاعم التي تقدم الوجبات السريعة التي نراها في جميع أرجاء الكوكب، هل تجد في الإجراء الذي اتبعه مواطنك جوزيه بوفيه عندما قام بتفكيك أحد فروع مطاعم ماكدونالدز في تلك الحادثة الشهيرة عام 1999 في مدينة ميلو أمراً سليماً من حيث الفكرة وليس القانون بالطبع (حيث عوقب بوفيه بالسجن لثلاثة أشهر)؟ ألا ترى أن هذه السلاسل تفسد الأذواق وتشجع الناس على التعود على الاستمتاع بالأطعمة الدهنية والمقلية؟

    أميل بطبيعتي إلى العمل على نشر أفكاري وليس مواجهة ما أرفضه، لذلك عملت من خلال كلية الطهو الفرنسية التي أنشأتها بالتعاون مع شريكي جويل روبوتشون على إنشاء نظام للاعتماد يدعى "مطعم الجودة". تقدم هذه الشهادة إلى المطاعم التي تقدّم أصنافاً تم إعدادها في المطبخ باستخدام مكونات طازجة عالية الجودة. فالعميل يبحث عن الشفافية، وعلينا نحن الطهاة أنّ نتعاون معاً على إعداد أطعمة مثيرة ومقنعة بدلاً من تلك الأطعمة المريحة.

    سبق لك أن قلت أن وظيفة الطاهي "أن يكون ماهراً في حرفته وليس نجماً في مجاله"، فلم ترى الطهو حرفة وليس فناً؟

    أنا فخور بكوني أعمل في مهنة الطهو، فأشعر كما لو أني أحمل إرثاً طويلاً وتراثاً عريقاً أتحمّل مسؤولية إحيائه وإبقائه في الذاكرة وأن لا أتخلى عنه أبداً. فهي مهنة تستحضر لدي فكرة تجمع بين الأمانة والجدية وأنّ هناك إطاراً واحداً يجمعني مع زملائي ألا هو أخوة المهنة.

    هل المطبخ الفرنسي لا يزال محافظاً على مكانته؟ وإذا كنت ترى ذلك فكيف ترد على من يزعم بأنّ المطبخ الآسيوي – الهندي أو الصيني على سبيل المثال – يتمتع بالقدر نفسه من التنوع وإمكانية تطويره؟

    الأمر لا يعدو عن قدرة الطاهي على التسلّح بأكبر قدر من أساليب ومناهج الطهو حتى يمكنه تطبيقها على مختلف مكونات إعداد الطعام ومختلف الأصناف. وأنا أحب هذا التنوع وأحب تطوير أصناف الطعام التي تقدّم في مطابخ الدول الأخرى.

    ما الوجبة التي تود أن تكون "وجبتك الأخيرة"؟

    السعادة الأبدية على كوكب الأرض.

    شولتو بيرنز محرر مجلة "تفكّر."، وقد عمل في السابق ككبير المحاورين في مجلة "الإندبندنت"، وهو زميل الجمعية الملكية للفنون، ومحرّر مشارك في مجلة "ذا نيو ستيتسمان".

    لقراءة هذا الموضوع بنسق PDF، يرجى الضغط هنا.