مجموعة الثماني... المشكلة أم الحلّ؟

  • من: .تفكر
  • تاريخ النشر: ١٦ يونيو ٢٠١٣
    يعرّف مدير إحدى المنظّمات الخيرية الرائدة مجموعةَ الثماني على أنّها نادٍ يضمّ زمرةً ذات حظوة من المستعمرين القدامى الذين تتهاوى أهميّتهم ويضمحلّ دورهم، بيد أنّه لا يزال بمقدورهم إحداث تدمير اقتصادي وبيئي هائل (كما يمكنهم أيضاً إشعال فتيل الحروب). وعلى النقيض من هذا، يرى وزير التنمية الدولية البريطاني السابق أنّ المجموعة قد أنشِئت بهدف إحداث تغْيِير إيجابي على أرض الواقع من خلال دعم الاستثمارات والإصلاحات وسبل المساءلة، ويقود هذه المسيرةَ ويحْمل لواءَها الدولةُ المضيفة لقمّة هذا العام.

    المشــكلة
    بقلم جون هيلاري

    يجتمع قادة مجموعة الثماني هذا الشهر على ضفاف بحيرات لوخ إيرن شمالي إيرلندا، التي تستضيف القمّة للمرة الأولى هذا العام برئاسة المملكة المتّحدة منذ قمّة عام 2005 التي انعقدت في منتجع الجولف الأسكتلندي في جلين إيجلز. وقد كان من أبرز ما شهده ذلك العام من فعاليّات الحشود التي قادها ائتلاف "لنجعل الفقرَ جزءًا من التاريخ Make Poverty History"، والتي شهدت خروج ما يقْرب من ربع مليون شخص إلى شوارع إدنبره للتظاهر ضد السياسات الاقتصادية لمجموعة الثماني. أمّا هذا العام، فلا يحفل بأحداث كبيرة ترتبط بمجموعة الثماني، لذا تكثر التساؤلات حول مدى أهمية ومغزى هذه المجموعة في ظلّ ما يتّسم به العالم الجديد في القرن الحادي والعشرين من الشجاعة والإقدام. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو "ما مجموعة الثماني؟ وهل تمثّل المجموعة طرفاً في الحلّ أم أنّها مجرد جزء من المشكلة نفسها؟".

    كان اجتماع قوى مجموعة الثماني للمرة الأولى في نوفمبر 1975 في القصر الرئاسي الفرنسي في رامبويي خارج باريس، وفي ذلك الوقت كانت عضوية المجموعة مقتصرة على ست دول (هي فرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتّحدة والولايات المتّحدة)، وانضمّت إليها في العام التالي كندا، ثم اكتملت حلقة المجموعة في عام 1997 بانضمام روسيا. كان مطلع سبعينيّات القرن العشرين مسرحاً عالمياً لأحداث عظام واضطرابات مائجة، حيث تضاعفت أسعار النفط أربع مرات، وذلك عندما خفّضت الدول الأعضاء في منظّمة الدول المصدّرة للبترول (أوبك) من إنتاجها اعتراضاً على دعم دول الغرب للجانب الإسرائيلي في حرب 1973 بين إسرائيل والدول العربية. علاوةً على ما شهدته الفترة نفسها من أحداث مؤثّرة مثل التصويت في الأمم المتّحدة على دعوة حركة دول عدم الانحياز إلى إقامة نظام اقتصادي دولي جديد، وإجبار قوات الولايات المتّحدة على الخروج من فيتنام. إلى جانب ذلك، بلغت معاناة الرأسمالية العالمية ذروتها منذ الحرب العالمية الثانية، ووجدت القوى الاقتصادية الكبرى في العالم فجأة أنّ ما كانت تتمتّع به من هيمنة ونفوذ أصبح على المَحَكّ، ومن هنا تبلورت فكرة مجموعة الثماني استجابةً لهذا التحوّل في ميزان القوى.

    كانت مجموعة الثماني منذ مهدها عبارة عن حالة غير مبرّرة من استخدام السُلطة والقوّة المطلقة التي تتمتّع بها مراكز السُلطة الاستعمارية القديمة، ولا تخرج هذه المجموعة عن كونها نادياً لأعضاء بعينهم لا يتم انتخابهم أو مساءلتهم بل ولا يتّسمون بالشفافية المطلوبة، كما أنّ هذه المجموعة تَعقِد اجتماعاتها بشكل سري، ثم تنقل النتائج التي تتمخّض عنها النقاشات في تلك الاجتماعات إلى الجماهير عبر وسائل إعلام متواطئة ومأجورة. ولا غروَ أنّ مثل هذا النسق من العضوية القائمة على توجيه دعوة فقط يتناسب أيَّما تناسبٍ مع الدول الأعضاء في مجموعة الثماني، وإن كان يزداد وهنها وضعفها في مثل هذا المناخ السياسي الذي نعيشه في وقتنا الراهن. ففي أعقاب الصحوات العربية وظهور حركة "احتلوا"، باتت الأنظمة الديكتاتورية القديمة (مثل مجموعة الثماني) واهية غير صالحة لهذا الزمان.

    علاوةً على ذلك، منذ أن اجتاحت الأزمة الاقتصادية دولَ العالم في العام 2008، استحوذتْ مجموعةُ العشرين على المكانة التي كانت تحتلّها مجموعة الثماني لتصبح هي الكيان القائد للحَوْكمة الاقتصادية العالمية. وقد أَذِنَ مِثلُ هذا التحوّل الكبير في موازين القوى بالاعتراف بالدور الذي تلعبه القوى الاقتصادية الناشئة مثل الصين والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا والأرجنتين والمملكة العربية السعودية، إلى جانب التسليم بأنّ القوى الاستعمارية القديمة لم يكن بمقدورها التعامل مع الأزمة التي هي من صنع أيديها. وعلى الرغم من ذلك، لم تكتفِ مجموعة العشرين بانتزاع المكانة التي كانت تتبوّأها دول مجموعة الثماني والاستحواذ على مقاليد أمورها فقط، بل أصّلت ورسّخت النظام الرأسمالي الليبرالي الجديد الذي كان المحرّك الرئيس للأزمة. ومن ثمّ نتساءل: ما الدور المَنُوط بمجموعة الثماني أو الهدف المرجو منها في الوقت الحالي؟ ألم تعدْ مجرّدَ كيانٍ واهٍ لا تُرجى منه فائدة؟

    صَمْتٌ مَدْرُوسٌ
    لا تزال مجموعة الثماني تدعم القضايا الاستراتيجية الرئيسة التي تمثّل القاسم المشترك بين مصالح الدول الأعضاء بها، وعلى وجه الخصوص القضايا المتشابكة المتعلّقة بالطاقة والحروب. فنرى مراراً وتكراراً البيانات الختامية التي تَصْدر عن قمم مجموعة الثماني تحمل عبارات مثل "الدول المارقة" التي ترغب في القضاء عليها وكسر شوكتها وإضعاف قوّتها، والتي تأتي غالباً مقدمةً للإعلان عن هجوم عسكري على مثل تلك الدول. وقد أصبح مثل هذا التحيِّز الواضح في تلك البيانات أمراً مألوفاً لقادةٍ يقرِّرون ما يَحْلو لهم دون الخضوع لأيّة مساءلة أو مراقبة خارجية. فنرى على سبيل المثال أنّ مجموعة الثماني تنتقد السياسات الإيرانية من حيث إخفاقها في تقديم أدلة تفصيلية عن "الأبعاد العسكرية المحتملة" لبرنامجها النووي، وفي الوقت نفسه تغضُّ الطرفَ تماماً وتلتزم الصمت حيال القدرات النووية المتطوّرة لحلفاء المجموعة مثل إسرائيل.

    وعلى صعيد القضايا المتعلّقة بالطاقة، نجد أنّ استجابة مجموعة الستّ تجاه خفض إمدادات البترول من قبل الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدِّرة للبترول (أوبك) في سبعينيّات القرن العشرين لم تكن استجابة قاطعة، حيث اشتمل البيان الختامي لقمّة رامبويي صراحةً على جملة "نحن عازمون على تأمين مصادر الطاقة اللازمة لنمو اقتصاداتنا". وقد استمر هذا العزم منذ ذلك الحين إلى وقتنا الراهن، حيث إنّ قمّة مجموعة الثماني تؤكّد مدى عمق التدابير التي سيتّخذها أعضاء مجموعة الثماني لضمان مستوى آمن من الطاقة لاقتصاداتها.

    ويأتي غزو العراق منذ 10 أعوام ليذكّرنا بحجم الدمار والإفساد الذي قد يرتكبه أعضاء مجموعة الثماني في حقّ الشعوب الأخرى في سبيلها لضمان وصول دول العالم الغربي إلى مصادر الطاقة في جميع أنحاء العالم. علاوةً على ذلك، تجد أنّ الدول الأعضاء في مجموعة الثماني لا تَأْبَهُ لأيّة تبعات بيئية قد تخلّفها رغبتها في الاستحواذ على مصادر للطاقة، فعلى الرغم من الدمار الذي قد يحلّ بالأنظمة البيئية العالمية والمحلية على حدٍ سواء والذي تعترف به تلك الدول، فقد ألزم البيانُ الختامي لقمّة المجموعة في العام الماضي الدولَ الأعضاء بتوسيع عمليات التنقيب في "المناطق الحدودية"، إلى جانب استخدام أساليب حفر وتنقيب ذات قدرات تَدْمِيرية أكبر بكثير من سالفتها مثل استخدام تقنية التكسير الهيدروليكي، أو التكسير.

    ومِنْ نافلة القول أنّ جميع الدول الأعضاء في مجموعة الثماني يتساوى خطرُها عندما تزعم أنّها تَعمل من أجل خدمة الآخرين، حيث تشتمل جميع مؤتمرات القمة بشكل منتظم على بيانات تعبِّر عن قلق تلك الدول إزاءَ أزمات الغذاء والتحديّات الأخرى التي تواجهها دول قارة إفريقيا، دون الإشارة إلى أنّ المشكلات التي تتجرّع غُصَصَها تلك القارّة نبعت بشكل مباشر من السياسات الاقتصادية التي تتبنّاها مجموعة الثماني على مدار عدّة سنوات. فعلى النقيض من ذلك، أطلقت مجموعة الثماني سلسلة من المبادرات تزيد من معاناة شعوب القارّة الإفريقية وتعمّق جراحها، وكان آخر تلك المبادرات التحالف الجديد للأمن الغذائي والتغذية الذي انطلق في القمّة الأخيرة لمجموعة الثماني. وكما جاء في تقرير منظمة "الحرب على العوز" الصادر تحت عنوان "The Hunger Games"، تهدف تلك المبادرة إلى إعادة تشكيل قطاع الزراعة الإفريقية لصالح شركات الأعمال الزراعية مثل شركة يونيلفر، ودياجو، ومونسانتو، والتي انضمّت جميعها إلى التحالف الجديد منذ نشأته. وقد تعهّدت الدول الأعضاء في مجموعة الثماني بالتبرُّع بملايين الدولارات بهدف تسهيل هيمنة القطاع الخاص على قطاع الزراعة في قارة إفريقيا، ممّا يهدِّد حياة المزارعين الصغار والمجتمعات الريفية في جميع أنحاء القارة السمراء. وقد أعلنت حكومة المملكة المتّحدة عن خطّتها للإسهام بمبلغ 600 مليون جنيه إسترليني لصالح التحالف الجديد وذلك من خلال ميزانية المساعدات على مدار السنوات الثلاث القادمة، وتتضمّن تلك المساعدات برامج في إثيوبيا وتنزانيا وغانا وموزمبيق.

    رأس المال عبر الوطني
    لا تتوقَّف مطامع الدول الأعضاء في مجموعة الثماني عند هذا الحد، حيث تسعى تلك الدول جاهدةً إلى زيادة المصالح التي تستفيد منها الشركات وذلك من خلال انتهاجها لسياسات تحرير الأسواق في جميع أنحاء العالم. ولا تتوقّف تلك الدول عن فرض اتفاقيات التجارة والاستثمار الحرّ والتي سوف تعود بالمصلحة على عمليات رأس المال عبر الوطني، بالرغم من المشكلة المُعترَف بها التي تتمثّل في أنّ مثل تلك السياسات قد تمخَّضت عنها اقتصادات أقل تنافسية، إلى جانب فَقْدِ الملايين من الوظائف. خرجت آخر جولات تلك الاتفاقيات عن إطارها المعهود (بما في ذلك الشراكة الشاملة للتجارة والاستثمار عبر الأطلسي التي أُبرِمت العام الماضي)، فلم تَعُدْ من الناحية الواقعية ترتبط بالتجارة على الإطلاق، بل استهدفتْ معاييرَ بيئية وعمالية واجتماعية تمثِّل "حواجز" في طريق عمليات الشركات عبر الوطنية، وذلك طبقاً لمعايير مجموعة الثماني. ومما لا شكّ فيه أنّ ذلك سوف يعمل على زعزعة التدابير المهمّة للأمان الاجتماعي في الوقت الذي يرزح فيه ملايين البشر تحت خطّ الفقر جرّاء البرامج التقشُّفية في دول مجموعة الثماني نفسها.

    لن تقف الحركات الاجتماعية والقوى التقدّمية مكتوفةَ الأيدي مسلوبة الإرادة، لكنّها سوف تستمرّ في تصدِّيها لاحتكار السلطة الذي تمارسه دول مجموعة الثماني، وسوف تكشف الغطاء أمام الجميع عن عدم شرعية تلك المجموعة باعتبارها منظّمةً قياديةً عالمية. فبالإضافة إلى الحشود السياسية التي اكتظّت بها لوخ إيرن، سوف تنعقد فعاليّات "أسبوع من الاحتجاجات" في قلب العاصمة البريطانية والتي ترمي إلى رفع معدّل الوعي بالخطر الداهم الذي تفرضه مجموعة الثماني. وعلى الرغم من أنّ مجموعة الثماني ربما ستتهاوى أهميتها وفاعليّتها في المستقبل، فإنّ بمقدورها إحداث دمار كبير في الوقت الحالي. وقد أصبح الأمر الآن بين أيدي المواطنين في جميع أنحاء العالم ليطالبوا بوضع نهاية لمجموعة الثماني والمطالبة بمنتدى يتمتّع بقدر أكبر من الديمقراطية تكون بيده مقاليد الحَوْكمة الاقتصادية العالمية. وربما تكون مجموعة الـ192 أو التي تعرف بالأمم المتّحدة هي المكان الأمثل الذي سيكون مهداً لهذه المطالبات والدعوات.

    جون هيلاري المدير التنفيذي لمنظّمة "الحرب على العوز": www.waronwant.org