الوقود الحيوي ... حصاد مرّ

  • من: .تفكر
  • تاريخ النشر: ١٦ يونيو ٢٠١٣
    يوماً ما كان العالم يهلّل لبعض المحاصيل الزراعية مثل الجاتروفا التي تملك قوة سحرية لإمداده بحاجته مما قد نطلق عليه "الوقود الأخضر" وكذلك دورها المشهود في تعزيز اقتصادات الدول النامية، إلا أنّ سهام اللوم أضحت اليوم توجّه لتلك المحاصيل بوصفها سبباً في استشراء المجاعة في أصقاع قارة إفريقيا، بيد أنّ هذا التقرير الذي يسلّط الضوء على بقاع عديدة في القارة السمراء يميط اللثام عن أنّ قضية الوقود الحيوي لا تعدو كونها إحدى المشكلات التي تمخّضت عن إحكام الشركات التجارية قبضتها على الأراضي على مدار العقد المنصرم

    بقلم زو فلد

    ثمّة لافتة بيضاء صغيرة ترمقها أبصار مرتادي الطريق الرئيس، الذي يحمل اسم "B8" ويربط بين مدينة مومباسا الساحلية الكينية وبلدة جاريسا المتاخمة للحدود الصومالية، ليهتدوا بتلك اللافتة ويعرّجوا منها على طريق ترابي وخم، إلا أنّ أبصارنا لم تدركها لدى مرورنا هنالك في المرة الأولى.

    يؤدى هذا الطريق الترابي إلى مشارف مزرعة الجاتروفا التابعة لشركة "بدفورد للوقود الحيوي"؛ ذلك المشروع المثير للجدل الذي كان يرمي إلى زراعة 64 ألف هكتار من "جاتروفا كوركاس"، وهى نوع من الشجيرات التي لا تؤكل ولكن تستخدم بذورها في إنتاج الديزل الحيوي.

    وبينما نمضي في طريقنا شطر المزرعة، تحملنا أقدامنا إلى موقع مهجور تغشاه آثار لبنايات قديمة يبدو أنّها تحوّلت بفعل الزمن إلى تربة رملية، وبعد سير بطول سياج كهربائي، فإذا برحالي تحطّ في منطقة نباتات الجاتروفا يصحبني اثنان من الموظفين العاملين بالمكان حيث تتراص تلك النباتات في صفوف متناغمة في مشهد يخلب الألباب وتمتد في خطوط مائلة كأنّها تغطى الأفق في عين الرائي. تقع هذه النباتات على أطراف قطعة أرض تبلغ مساحتها 19 هكتاراً جرت زراعتها في بواكير العام الماضي. وفي تلك اللحظات اكتحلت عيناي برؤية البذور الغنية بالزيوت تتألّق بلونها الأخضر يانعةً على أشجارٍ أغصانها باسقة.

    ثم نعود أدراجنا لنجد السائق دانيال قد عبر السياج الكهربائى بعدما تلمّسه بعصاه ليضمن خلوه من الكهرباء ثمّ لم يلبث أن اخترقه. حينئذٍ نقوم بعبور السياج للالتحاق بدانيال وتقع أعيننا على شخصين قد تواريا في تلك البنايات التي لا تعلوها سقوف. وبعد تجاذب أطراف الحديث معهما في شيء من الملاطفة والمداعبة ندرك أنّهما قد أتيا لاقتلاع وسرقة خزان مياه جوفي بتكليف وتمويل من أحد السكان المحليين.

    لم تكن تلك المزرعة الكائنة في شرق كينيا والتابعة لشركة "بدفورد" سوى حلقة في سلسلة تضمّ العديد من صفقات الأراضي التي أبرمت حديثاً لإنتاج الوقود الحيوي في دول إفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى والتي تصدّرت عناوين الصحف وأثارت موجة من الغضب في أوساط المجموعات الحقوقية والبيئية. ولما كان الوقود الحيوي مشتقاً من طيف متنوع من النباتات تشمل بطبيعة الحال محاصيل غذائية، فقد نال الوقود الحيوي الحظ الأوفر من الاهتمام مؤخراً باعتباره بديلاً رئيساً ومتجدّداً للوقود الأحفوري بل ويتميّز عن الأخير بقلة الانبعاثات، بيد أنّه قد برزت إلى الواجهة تساؤلات عدة فيما يتعلّق بما إذا كانت المزارع في الدول النامية، على غرار مزارع "بدفورد"، سوف تنافس وتؤثّر في إنتاج الأغذية الحيوية. طبقاً لما ورد في البحوث الصادرة عن منظمة معونة العمل "ActionAid" التي لا تهدف للربح، فقد وضع المستثمرون الأوروبيون أيديهم على نحو ستة ملايين هكتار من أراضي المنطقة ،أي ما يعادل ضعفي مساحة بلجيكا، كي تستخدم في إنتاج الوقود الحيوي خلال الفترة من عام 2009 إلى 2013.

    أحرزت الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل قصب السبق في الاضطلاع بقيادة دفة السوق في مجال إنتاج وقود الإيثانول حيث استطاعت أن تحوّل الفائض من صناعات الذرة وقصب السكر القائمة إلى طاقة. وفي ظل ارتفاع أسعار البترول التي بلغت 147دولاراً للبرميل في العام 2008 وما أصدره الاتحاد الأوروبي من توجيه عام 2009 بضرورة إنتاج 10 في المائة من وقود وسائل النقل من مصادر الطاقة المتجددة وبصفة رئيسة الوقود الحيوي وذلك بحلول العام 2020، سرعان ما ظهرت سوق محتملة لتصدير الوقود الحيوي الذي يتم إنتاجه في دول إفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى. هذا بالإضافة إلى التقديرات التي تشير إلى أن هذه المنطقة تمثّل 60% من إجمالي مساحات الأراضي غير المزروعة رغم قابليتها للزراعة على مستوى العالم، وكذلك في ضوء الافتراض بأنّ جزءًا كبيراً من تلك الأراضي غير مستغل بشكل كامل إلى جانب أريحية الأطر التنظيمية لعملية الاستحواذ على الأراضي على نطاق واسع في العديد من الدول الإفريقية، مما يمهّد الطريق لحدوث تلك الاستحواذات. يقول أندرز دهلبك – مستشار السياسات لدى منظمة ""ActionAid": "كانت هناك حالة من التهافت على الاستثمارات بدأت منذ أربعة أو خمسة أعوام مع ظهور الأراضي للعيان كمنال سهل البلوغ وزهيد الكلفة نسبياً".

    لقد هيمنت الشركات الدولية العملاقة على الأراضي عبر كافة بقاع القارة الإفريقية، وكانت أثيوبيا وزامبيا وموزمبيق وتنزانيا من بين تلك الدول التي شهدت استثمارات ضخمة. وتتباين التقديرات في هذا الصدد، فبينما تحدّد منظمة "GRAIN" غير الهادفة للربح الحجم الإجمالي للاستحواذ على الأراضي بهدف إنتاج الوقود الحيوي بما يربو على 7,5 مليون هكتار على مدار أكثر من 10 أعوام، تشير تقديرات الائتلاف العالمي للأراضي على الجانب الآخر إلى أنّ 18,8مليون هكتار من الأراضي تم شراؤها، بما يمثّل 66% من إجمالي صفقات الأراضي في قارة إفريقيا.

    أما حنا ستودارت - رئيس قسم سياسة العدالة الاقتصادية في منظمة "أوكسفام" التي تعدّ واحدة من بين أكثر من مائة منظمة غير حكومية ائتلفت جميعاً تحت ما يسمى بحملة "غذاء كاف للجميع إذا" – فيقول: "حدثت زيادة كبيرة في الطلب على الأراضي القابلة للزراعة حول العالم، وغالباً ما اكتنف الغموض صفقات الأراضي". ويحثّ هذا الائتلاف الحكومة البريطانية بما لها من نفوذ في مجموعة الثماني على اتخاذ قرار من شأنه أن يضع نهاية للجوع على مستوى العالم. ولا غرو إذا ما كان ضمان حق الحصول على الأرض لأكثر مزارعي العالم فقراً، الذين يبغون الغذاء لا الوقود، قد جاء على رأس أهداف الحملة.

    تأتي هذه الحملة في إطار الجهود العالمية المناهضة لعملية الاستحواذ على الأراضي من خلال الصفقات الواسعة مع الشركات الدولية متعدّدة الجنسيات بهدف إنتاج الوقود الحيوي وكذلك زراعة محاصيل الغذاء. ويحذّر النشطاء مما يرونه تهديداً لحقوق ملكية الأراضي للسكان الأصليين، وفي الوقت نفسه تزداد المخاوف والتوجسات بشأن التحديات البيئية بما في ذلك انبعاثات الكربون المتزايدة جرّاء ما يمارس من عمليات تجريف منظّم للغابات وأراضي الخث بهدف إفساح الطريق أمام إنتاج المحاصيل الغذائية. وقد صدر تقرير في عام 2011 عن 10 منظمات دولية من بينها البنك الدولي ،ومنظمة التجارة العالمية، إلى جانب وكالات أخرى تابعة للأمم المتحدة، يحثّ مجموعة العشرين على إلغاء ما أسدت من معونات وما أبرمت من تفويضات تتعلّق بالوقود الحيوي نظراً لما يترتّب عليها من ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية، في حين قدّمت المفوضية الأوروبية إبّان العام الماضي مقترحات تتعلّق بوضع سقف للنسبة المئوية التي يمكن أن تشارك بها مصادر الوقود الحيوي المشتق من الغذاء في تحقيق أهدافها المتمثّلة في الحصول على مصادر وقود متجدّدة. ويشير المؤيدون لإنتاج الوقود الحيوي إلى قدرة تلك المشروعات على تحقيق التنمية في المناطق التي تقلّ فيها فرص النمو الأخرى وبالتالي زيادة إنتاجية الأراضي في قارة إفريقيا وتحويلها إلى وجهة عالمية للاستثمار.

    وواقع الأمر أنّ عملية إنتاج الوقود الحيوي قد بدأت بالكاد تشقّ طريقها في القارة السمراء. فعلى الصعيد الدولي، شهد إنتاج الوقود الحيوي حالة من الركود إبّان العام 2011 في حين أسهم إنتاج إفريقيا من هذا الوقود بما يعادل 0,05% من إجمالي الإنتاج العالمي. لقد خيّمت سحابة من التوتر على المستثمرين جرّاء نضوب مصادر التمويل في أعقاب الأزمة المالية العالمية، واشتدّ الجدل حول موضوع الوقود الحيوي. وقد لوحظ أنّ صفقات عدة قد باءت بالفشل أو تم التخلي عنها، الأمر الذي كان له بالغ الأثر على المجتمعات التي قُطعت لها الوعود بتحقيق التنمية الاقتصادية وتوفير فرص العمل فتحطّمت تلك الوعود والأحلام على صخرة هذا الواقع المرير.

    تقول آنا لوك - رئيس برنامج السياسات والتنمية الزراعية بمعهد التنمية الخارجية الذي يتّخذ من لندن مقراً له: "لم يحظ المستثمرون في مجال الوقود الحيوي سوى بنصيب محدود للغاية من الأراضي يُعدّ أقل بكثير مما كان يُعتقد. ليس هذا فحسب، بل إنّ الجزء المزروع من تلك الأراضي يُعدّ ضئيلاً هو الآخر".

    تجدر الإشارة إلى أنّ مساحات الأراضي، التي استأجرتها شركة "بدفورد للوقود الحيوي" التي تتخذ من كندا مقراً لها، تبلغ 160 ألف هكتار من الأدغال شبه القاحلة التي تتخلّلها مجموعة من المساكن، وتقع هذه الأراضي عبر ست مزارع صغيرة بمقاطعة نهر تانا في كينيا. تغطي هذه المزارع، التي تعود ملكيتها لمجموعة من السكان المحليين مجتمعين، المنطقة القريبة من نهر تانا وكذلك تلك القريبة من النظام الإيكولوجي الغني لمنطقة دلتا هذا النهر. تمثّل التربة والماء رافدين حيويين لقاطني هذه المناطق، وقد خلّفت النزاعات السياسية بين القبائل العرقية البوكومو والأورما على استخدام هذين الرافدين أكثر من 180 قتيلاً في العام الماضي فقط.

    لقد ظلّ مشروع شركة "بدفورد للوقود الحيوي" منذ ولادته في العام 2008 محل خلاف، وأدى إلى تأليب الجماعات المدافعة عن البيئة ضد الشركة مع انزلاق أفراد المجتمع والسلطات المحلية والوطنية إلى أتون الصراع. ومما فاقم الأمر سوءًا انهيار جهود ذلك المشروع في منطقة نهر تانا، شأنه في ذلك شأن غيره من مشروعات الوقود الحيوي العديدة التي سُطّرت شهادة ميلادها ووفاتها في ثنايا القارة.

    إنّ مسلسل الفشل الذي مُنيت به مشروعات الوقود الحيوي طويل ومعقد، فقد اعترضتها العديد من العراقيل البيروقراطية على مدار العديد من السنوات، إلى جانب الحملة الشعواء ضد تلك المشروعات من قبل مؤسسات المجتمع المدني، وكذلك توقّف عمليات التمويل، إضافة إلى تلك المزاعم بأنّ الموارد المالية للشركة كانت تتعرّض للعبث. يطلعنا ديفيد كومب على تسلسل الأحداث بوصفه أحد المساهمين في شركة "بدفورد للوقود الحيوي" ونائب رئيس الشركة سابقاً.

    تجاذب كومب معي أهداب الحديث ونحن في أحد المكاتب في حي الأعمال المركزي بنيروبي، قائلاً: "كانوا يبحثون عن الأرض التي لم يسبق استعمالها. لقد أبرمنا عقود إيجار مدتها 45 عاماً مع أصحاب المزارع، واتّبعنا الإجراءات المناسبة مع السلطات المحلية، بل وتقدّمنا للحصول على ترخيص من السلطة الوطنية لإدارة البيئة".

    ثم يتنهّد كومب، وهو يداعب رابطة العنق بأصابعه، ويستطرد قائلاً: "كنا نتوقّع أن ننجز كل شيء بحلول العام 2009، لكنّ الأمر استغرق وقتاً طويلاً رغم أنّنا حصلنا في نهاية المطاف على ترخيص يسمح لنا بزراعة 2500 هكتار، لكنّ هواجس المستثمرين كانت تتزايد مع طول زمن الانتظار. بعد ذلك، قدّمت كل من جمعية "the East African Wildlife Society" وجمعية "Nature Kenya" طعناً ضد هذا الترخيص، لكنّ مشكلاتنا بدأت بالفعل مع انتقال الموضوع إلى أروقة البرلمان. فلقد أصبح المشروع شأناً سياسياً."

    لقد عمد وزير البيئة شيراو مواكويري إلى مناقشة هذا الموضوع تحت قبة البرلمان في أكتوبر من العام الماضي، إذ صرّح قائلاً: "اكتشفنا أنّه ما من بقعة في هذا العالم نجح فيها مشروع زراعة نباتات الجاتروفا بهدف تلبية المزيد من حاجة أي بلد من البلدان إلى وقود الديزل. إنّنا نرى أنّ هذا العمل إنّما هو نوع من العبث، ومن ثمّ ارتأينا أنّه ليس من الحكمة في شيء أن نعطّل هذه المساحات الشاسعة من الأراضي في بلد يعاني من نقص الغذاء."

    أما سكان منطقة نهر تانا الذين أبرموا عقود إيجار لأراضيهم، فقد أصابهم الاستياء والغضب، وبعد سؤال القائم بأعمال رئيس موقع "Ngao" (نجاو) الموجود داخل منطقة المشروع عمّا إذا كان ممكناً أن أقابل بعض هؤلاء السكان، رأيت عدداً يقارب الثلاثين منهم يمشون من بيوتهم وقراهم وقد يمّموا وجوههم شطر المركز الإداري في منطقة "Tarasaa" (تاراسا)، ومن داخل كنيسة فسيحة ومع هبوب عاصفة رعدية، راحوا يعبّرون لي عمّا أصابهم من إحباط.

    يقول أحدهم ويدعى لاوي جويو - معلّم متقاعد: "لم يخبرنا أحد عن الأسباب التي أفضت إلى توقّف عجلة المشروع. لقد كان يحدونا أمل بأن يؤتي هذا المشروع ثماراً طيبة خاصة ونحن نرى في الموقع نمواً جيداً للنباتات".

    وفي السياق نفسه، أفاد ديفيد ماجازاني – ضابط شرطة سابق ورئيس مجلس الحكماء، قائلاً: "يقبع السكان المحليون في غياهب الفقر ، كما أنّنا نفتقر إلى التنمية منذ 50 عاماً في هذه المنطقة". أما عن وعود شركة "بدفورد للوقود الحيوي" بالاستثمار في موارد ضخمة للتنمية المحلية، فقد ذهبت تلك الوعود أدراج الرياح بعدما انهار المشروع، وهو ما وصفه جويو بقوله: "لقد توقّعنا ميلاد مشروعات أخرى إلى جانب الجاتروفا مثل تربية النحل والأسماك والمواشي، وهي مشروعات يمكن لأفراد المجتمع الانخراط فيها".

    لقد امتدّ "طريق المذبحة" لهذا المشروع، حسبما يحلو لأحد موظفي الشركة السابقين تسميته، إلى ما وراء كينيا ليصل إلى ضواحي كندا حيث كانت قد رصدت له رؤوس أموال كبيرة.

    وطبقاً لما ورد على لسان أحد المستثمرين في إدمنتون، عاصمة ألبرتا، فإنّ "العديد من المستثمرين الذين يتعاملون بالهكتار ]وقد بلغت استثماراتهم قرابة 8 آلاف دولار كندي لتمويل زراعة الهكتار الواحد من هذه المساحات[ قد جذبتهم عملية الزراعة في حد ذاتها باعتبارها استثماراً أخلاقياً. لقد كان أغلبهم يشتغل بمهنة التدريس أو التمريض، وكانوا يعكفون على الاستثمار في مرحلة ما بعد التقاعد. وكان العمل الإنساني أول ما يعنيهم."

    كانت شركة "بدفورد للوقود الحيوي" تعتزم من خلال برنامجها "إمباور" أن تسهم بمبلغ 3,6 مليون دولار عن كل 10 آلاف هكتار مزروعة بحيث يتمّ ضخ هذه المبالغ في مشروعات التنمية التي يتبنّاها المجتمع، وهناك مشروعات أخرى للوقود الحيوي، وليس جميعها، في إفريقيا كانت ترمي إلى إشراك السكّان المحليين وضمان أن تعود المشروعات بالنفع عليهم، حيث يقول أحد المستثمرين الذين فقدوا الأمل الآن تقريباً في استعادة أي شيء ممّا فقدوه: "رغم أنّ هذا المشروع عمل تجاري، إلا أنّ السكّان المحليين كانوا مقبلين على حياة أفضل نتيجة لهذا المشروع".

    ومع غروب شمس أحلام الوقود الحيوي عن مزارع نهر تانا، يرى بعض منتقدي هذا المشروع أنّه لم يكن سوى وعود جوفاء، حيث يقول فرانسيس كاجيما، باعتباره أحد منسّقي الشواطئ لدى جمعية "Nature Kenya" وشاهد عيان على مراحل تطوّر هذا المشروع: "تمثّل الغرض من الوعود التي قطعت، كبناء المدارس وإقامة مشروعات التغذية وتقديم المنح المجتمعية، في استمالة الناس لقبول المشروع".

    من الصعوبة بمكان أن أتخيل أنّ أصحاب المزارع الذين يتميّزون بقوة الشكيمة وطلاقة اللسان قد استدرجوا إلى عملية التوقيع على الاتفاقيات الخاصة بأراضيهم على الرغم من أنّ هؤلاء لا يمثّلون سوى عينة صغيرة من أصحاب المزارع. وقد كشفت دراسة لتقييم آثار المشروع في العام 2010 عن أنّ هذا المشروع كان يلقى دعماً قوياً من المجتمع المحلى وأنّه كان يمثّل شراكة جرى التفاوض بشأنها في "مناخ من الحرية". من جانبه، يعتقد أبراهام ماسوس – مدير أول – أنّه يعرف السبب وراء هذا الدعم من المجتمع المحلي؛ إذ يقول: "كانوا يمنّون الناس بآمال بلغت عنان السماء، سواءً على صعيد توفير فرص العمل وإحراز التقدّم الاقتصادي وما إلى ذلك". ومن كندا يسجّل الرئيس التنفيذي السابق للشركة ديفيد ماكلور اعتراضه قائلاً: "يبدو جلياً أنّ هذا التعليق قد أزكته مشاعر الإحباط وخيبة الأمل. فلو توافر التمويل، لكان تنفيذ جميع المبادرات الإنسانية أمراً ميسوراً."

    ثمّة حقيقة لا تقبل الجدال أو المراء تكمن في قيام إدارة المشروع بتسديد ديون عدد من أصحاب المزارع لدى المجلس المحلى، وهو ما يعدّ إجراءً استباقياً ضرورياً لتجديد عقود الإيجار منتهية المفعول. لكن تبقى الهواجس تداعب مخيلة بعض السكان المحليين فيما يتعلّق بعقود الملكية خاصتهم بعد أن باءت هذه الصفقات بالفشل.

    تطرّق كومب، الذي شغل منصب نائب رئيس شركة "بدفورد" سابقاً، إلى ما حدث في منطقة نهر تانا حيث أكد أنّ الشركة قد أخلّت منذ فترة بشروط الصفقة عندما أخفقت في تحرير الدفعات لأصحاب المزارع، مشيراً إلى أنّه قام شخصياً برد عقود الملكية إلى أصحاب المزارع. وفي غضون ذلك، لم يتلق أصحاب تلك المزارع أى تعويض ممّا كانوا قد وعدوا به فيما يتعلّق بأراضيهم.

    يعبّر ماكلور عمّا تموج به نفسه من شعور بالغ بالإحباط حيال العملية برمتها؛ إذ يقول "لا أستطيع أن أخبرك كم أنا محطّم على المستويين الشخصي والمهني. كان بمقدور هذا المشروع، بل كان الهدف من ورائه فعلياً أن يخدم الجهود الإنسانية في المنطقة على امتداد أجيال متعاقبة. وكان ليغدو نموذجاً للمشروعات الناجحة التي تربح فيها جميع الأطراف؛ إذ يقدّم للسوق العالمية وقوداً نظيفاً ومستداماً، ويضمن مستقبلاً زاخراً بالفرص والإمكانات ومفعماً بالأمل لجميع من يقطنون منطقة نهر تانا. لقد مثّل ذلك الحلم القوة الدافعة وراء الجهود المحمومة التي بذلها أعضاء فريق العمل من شركة "بدفورد"، فأنفقنا ملايين الدولارات على مدار أربعة أعوام. بيد أنّه مع تحوّل المشروع إلى شأن سياسي بسبب تدّخل منظمات المجتمع المدني، فقد المستثمرون الثقة، وانهار الحلم تماماً."

    الهجر والأداء المزري
    أرخت الهواجس سدولها على البقاع الأخرى حيث يخشى أبناؤها إمكانية حرمانهم من الحصول على أراضيهم بالكلية. فعلى سبيل المثال، تسعى الحكومة في تنزانيا إلى تخصيص عدد أكبر من الهكتارات لصالح قطاع الأعمال. وفي هذا السياق توضّح لوك من معهد التنمية الخارجية قائلة: "تصنّف غالبية الأراضي على أنّها ملكية قرويّة. ومن ثمّ لابد أولاً من تأميم مساحات شاسعة من الأراضي قبل منحها للمستثمرين، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل ستعيد الحكومة الأراضي إلى قبضة القرويين مجدداً في حالة عدم استغلالها على نحو يزيد إنتاجيتها؟"

    وفي بعض الأحوال، فإنّ تلك الأراضي التي ربما يراها البعض على أنّها غير مستغلّة إنّما يشغلها من ليست لهم حقوق قانونية للانتفاع بها أو حتى على استعداد للجوء للمؤسسات القانونية؛ إذ لا يكلّفهم الأمر فقط سوى غرامة بسيطة يدفعونها حال وضع المستثمرين أيديهم على تلك الأراضي لاستخدامها في إنتاج الوقود الحيوي. حتى وإن بدت قوانين الأراضي محكمة الصياغة، إلا أنّ تفعيلها لا يزال تحيطه علامات استفهام كثيرة.

    تشكّل الجاتروفا مصدراً محتملاً لإنتاج الوقود الحيوي، أما غيرها من المحاصيل المألوفة لنا كمصدر للطاقة فتشمل نخيل الزيت وقصب السكر والذرة، لكن قُدّر لنبات الجاتروفا أن يواجه هذا المصير المخيّب للآمال. ولعلّ المتأمل في حال هذا النبات في بادئ الأمر يشعر أنّه نبات سحري بإمكانه أن يعيش على أطراف الأرض ومتطلّبات تكنولوجية بسيطة، إلا أنّ عائداته جاءت أقل من التوقّعات الأولية. لكنّ هذا النوع من النباتات لم يتعرّض بعد لاختبار حقيقي على الصعيد التجاري، وهكذا أصبحت مشروعات الجاتروفا الشهيرة تواجه حالة من الهجر في جميع أنحاء إفريقيا بما في ذلك مؤسسات مثل "جي إي إم للوقود الحيوي" في مدغشقر، و"صن للوقود الحيوي" في تنزانيا.

    لقد حاولت إحدى الشركات المحلية بأوغندا بناء شبكة تنموية بالتعاون مع صغار الفلاحين لإنتاج نبات الجاتروفا على أراضيهم الخاصة ليقدّموا أنفسهم بذلك كشريك تجاري. إنّ هذا النموذج الماثل أمامنا يركّز على السوق المحلية بغية قلب موازين التبعية في مجال الطاقة، ويحدو بعض الأفراد الأمل في أن يجسّد هذا النموذج مستقبل الوقود الحيوي في إفريقيا، لكنّ صغار الملاك وجدوا أنّ نبات الجاتروفا بعيد كل البعد عمّا يمكن أن نطلق عليه "الرصاصة الفضية".

    "لقد أقنعني أحد المزارعين التجاريين في مقاطعتنا الصغيرة بأن أزرع الجاتروفا"، هكذا طفق يحدثنا كريستوفر بياروهانجا البالغ من العمر 62 عاماً والذي يقوم بزراعة الأراضي المسطحة والخصبة شمالي مدينة مازيندي الواقعة في غرب أوغندا. ويستطرد قائلاً: "لكنّ الخسائر فادحة، فقد خصّصت قطعة أرض بمساحة ثلاثة أفدنة لزراعة نبات الجاتروفا، وقمت بالحصاد بما يربو على غيري بثلاث مرات، وظللت أحاول الاتصال بالمسؤولين لكي يبتاعوا المحصول ولكن دون جدوى. وتعلّلوا بأنّ العوز يضرب السوق، وأنّ كثيرين هنا يجتثّون أشجار الجاتروفا ليزرعوا مكانها المحاصيل التي تخرج الغذاء الأساسي".

    تؤكّد تجربة بياروهانجا المخاوف بشأن تحوّل صغار المزارعين إلى زراعة محاصيل الوقود الحيوي، حيث تقول آنا لوك: "ربما يكون بإمكان الشركات أن تستوعب بشكل أفضل المخاطر الناجمة عن زراعة محاصيل جديدة، لكن تسود بعض الهواجس بشأن اجتذاب صغار ملاك الأراضي إلى أسواق لم تخضع للاختبار مسبقاً. إنّ صغار المزارعين هم الأقل قدرة على التعاطي مع المخاطر، ومن الأفضل أن تتجه الشركات لحل المشكلات البسيطة في مجال الإنتاج والتسويق قبل أن تفكر في جذب مزارعين جدد".

    ربما تباطأت وتيرة الاستثمار في مجال الوقود الحيوي في القارة الإفريقية، لكنّ الجدل المحتدم بشأنها لن ينقطع، فهل يمكن لمثل هذا النوع من الاستثمارات أن يجلب تنمية اقتصادية؟ وهل ستستفيد من قوانين الأراضي الحالية التي تتّسم بعدم الانضباط؟ وتتزايد مخاوف المستثمرين ممّا إذا كانت التحديات الخاصة بالبنية التحتية وكذا العقبات البيروقراطية سوف تفضي إلى إيقاف العمليات التجارية منذ البداية. أما عن الآثار المستقبلية على السوق من حيث الأهداف وعمليات التفويض فتبقى غير واضحة المعالم، فهل سيتمخّض عن تلك الآثار مزيد من الإقبال على الحصول على الأراضي لإنتاج الوقود الحيوي في أفريقيا؟

    وفي السياق ذاته، بدا كاليستوس جوما - الأكاديمي بجامعة هارفارد ومؤلف كتاب "The New Harvest" - مرتاباً بعدما تنازعته الشكوك التي عبّر عنها بقوله: "إنّ توفير الغذاء لتلك المدن الإفريقية الآخذة في النمو بوتيرة متسارعة يبرز على السطح كتحد أساسي، كما أنّ استخدام تلك الأراضي في إنتاج الوقود الحيوي ربما يفاقم المخاوف والتوجّسات السياسية حتى وإن تضاءل الأثر الفعلي لهذا الأمر، بل أكاد أراهن على أنّ ذلك الأثر سيكون منعدماً على المدى البعيد نظراً لأنّ الكثير من مبادرات الوقود الحيوي من المرجّح ألا تدخل حيز التنفيذ، أو لربما تفشل في ظل الحقائق الاقتصادية".

    على الرغم من الالتزامات الدولية العديدة المتعلّقة بالوقود الحيوي، فإنّها لا تزال تفتقر إلى من يراها حلاً أكيداً يخرج علينا بطاقة نظيفة يمكن أن تفي بحاجة العالم من الوقود. كذلك فإنّ فعالية التكلفة لا تزال موضع شك أيضاً، ولقد أشارت التقديرات الواردة في أحد التقارير الحديثة الصادرة عن "تشاتام هاوس" إلى أنّ أهداف إنتاج الوقود الحيوي التي رسمها الاتحاد الأوروبي يمكن أن تكلّف سائقي السيارات بالمملكة المتحدة ما مقداره 2 مليار دولار سنوياً بحلول العام 2020 نتيجة زيادة استهلاك الوقود الحيوي الأعلى تكلفةً وصولاً إلى تحقيق أهداف الاتحاد الأوروبي. وبغض النظر عن مواطن زراعة محاصيل الوقود الحيوي من الناحية التجارية، فإنّ الآثار اللاحقة على أسعار الغذاء وتقلّب الأسواق سوف تتجلّى أيّما تجلّ في الدول ذات الإيرادات المنخفضة والمستوردة للغذاء. ربما تكون قضية الوقود الحيوي محل اهتمام كبير في قمة دول الثماني لهذا العام، لاسيّما في ظل الاهتمام البالغ الذي توليه حملة "غذاء كاف للجميع إذا" لقضية الأمن الغذائي والزراعة.