بناء الجيل القادم من العلماء

    لا زالت العلوم والبحوث إحدى الركائز الثلاث التي قامت عليها مؤسسة قطر، إذ إنها تمثل أحد العوامل الرئيسة التي تعول عليها المؤسسة لتحقيق رسالتها الرامية إلى إطلاق العنان لقدرات الإنسان وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، بما يتسق مع رؤية قطر الوطنية 2030.
    null
    وفي هذا الإطار، بادرت المؤسسة بإنشاء 3 مراكز بحثية مستقلة تحت مظلة جامعة حمد بن خليفة، عضو مؤسسة قطر، بغية توفير بيئة بحثية خصبة ومفعمة بالحيوية والثراء على أرض دولة قطر في مجالات الطاقة والبيئة والحوسبة والطب الحيوي، الأمر الذي أتاح للمؤسسة شحذ الهمم وبث الطموح وروح الابتكار، مؤملة من وراء ذلك الوصول إلى نتائج من شأنها إحداث تأثير تحويلي على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

    يبرز معهد قطر لبحوث الطب الحيوي من بين هذه الكيانات البحثية بسعيه الحثيث إلى ابتكار غايات علاجية مستهدفة واستراتيجيات مطورة للوقاية من الأمراض وتشخيصها والتصدي لكبرى التحديات الصحية التي تواجه دولة قطر والمنطقة. وفي الوقت نفسه، يضع المعهد نصب عينيه تطبيق رعاية طبية شخصية ودقيقة، إذ يعمل على بناء قدراته البشرية والفنية والمادية تحت مظلة استراتيجية ذات 3 مسارات مختلفة، أولها: التصدي للتحديات والأولويات الصحية الوطنية، وثانيها: العمل ضمن تحالفات وثيقة مع الجهات المعنية، وثالثها: التواصل مع المجتمع المحلي بهدف إعداد الجيل القادم من العلماء؛ بجانب تفعيل دور المجتمع المحلي وحثه على الانضمام إلى الجهود البحثية ليضطلع كل منهم بدوره كعلماء محليين.

    نقل المعرفة
    انطلاقًا من خبراته التعليمية في مجالي الطب الحيوي والصحة، سبر معهد قطر لبحوث الطب الحيوي أغوار مجالات عدة، كان آخرها تكثيف إسهاماته في مجالي التعليم والتدريب في جامعة حمد بن خليفة وجامعة قطر، بجانب الإسهام في استحداث برامج للدراسات العليا في مجال الطب الحيوي بكلتا المؤسستين التعليميتين أيضًا.

    يضم معهد قطر لبحوث الطب الحيوي في وقتنا الراهن 6 من كبار العلماء والباحثين، ممن يشغلون مناصب مشتركة في برامج الماجستير والدكتوراه في العلوم البيولوجية والطبية. وعلاوة على ذلك، يستغل معهد قطر لبحوث الطب الحيوي شراكاته الاستراتيجية مع مؤسسات مرموقة مثل كلية طب هارفارد والمنظمات الدولية لأبحاث الدماغ لتزويد طلاب دولة قطر وعلمائها وأطبائها بفرص تدريبية متقدمة ومميزة في علم الأعصاب والسرطان.

    في هذا الصدد، قال الدكتور هلال الأشول، المدير التنفيذي لمعهد قطر لبحوث الطب الحيوي: «نرى أن معهد قطر لبحوث الطب الحيوي بمنزلة امتداد لجميع المعاهد الوطنية التعليمية والمرحلية ومعاهد البحوث السريرية».

    يعتمد معهد قطر لبحوث الطب الحيوي نهجًا استباقيًا في مجال التعليم يمتد على مدار العام. فعلى سبيل المثال، أطلق المعهد مبادرة تدريب جديدة باسم «برنامج البحث الصيفي» في صيف عام 2015 من شهر مايو حتى شهر يوليو.

    استمر برنامج البحث الصيفي 8 أسابيع كاملة، زود خلالها طلاب المرحلة الجامعية في الجامعات المحلية والإقليمية والدولية بدورة تدريب عملية شملت البحوث المعملية، وأشرف عليها باحثون من معهد قطر لبحوث الطب الحيوي.

    وفي طيات حديثها مع مجلة «المؤسسة»، أكدت لينة حسنة، مدير برنامج البحث الصيفي بمعهد قطر لبحوث الطب الحيوي، أن البرنامج يعبّر عن منهجية المعهد في بناء قدرات البلاد في مجال التعليم، وهي منهجية تقوم على إتاحة الفرصة للطلاب لتطبيق معارفهم النظرية تطبيقًا عمليًا، قائلةً: «هذا هو أحد سبل رد الجميل للمجتمع، كما أنه يوفر مساحة لعلمائنا للتفاعل مع الطلاب وإلهامهم. فلا يعتمد نهجنا في معهد قطر لبحوث الطب الحيوي على الوقوف ساكنين إلى أن يأتي أحدهم ويطرق بابنا، بل ننهض بأنفسنا للتواصل والتفاعل معهم».

    ولم تختلف وجهة نظر الدكتور الأشول عن طرح لينة حسنة، إذ قال: «اتبعنا نهجًا استباقيًا في نشر حب العلوم ومنح الطلاب المساحة والبيئة للتعلم والتعرف على كامل قدراتهم. نريد أن يكون انخراط الطلاب في مجال العلوم نابعًا من واقع أسباب سليمة، كما أرى أن حبهم لملكة الاكتشاف لا بد وأن يكون عاملًا محوريًا عند اتخاذهم القرار بالانضمام إلى درب العلماء. فكل ما نسعى إليه خلق فرص وتوفير خبرات للشباب تحببهم في مجال العلوم في مرحلة مبكرة للغاية من حياتهم المهنية».

    التعاون وتبادل الخبرات
    يحرص معهد قطر لبحوث الطب الحيوي على نقل المعرفة في إطار جهود بناء قدراته التعليمية، بيد أنه يلتزم في الوقت نفسه أن يتم ذلك عبر التعاون المشترك بين المؤسسات. ومن النماذج المشرّفة التي تعبّر عن التعاون المباشر والوثيق مع الشركاء والجهات المعنية المحلية والمنظمات الدولية، استضافة ندوة بارزة في علم الأعصاب نظمتها المنظمة الدولية لأبحاث الدماغ - الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في ديسمبر 2014 في مجال الاضطرابات السلوكية، والندوة المشتركة بين معهد قطر لبحوث الطب الحيوي وجامعة كيوتو في مارس 2015، والتي تناولت أحدث التطورات في مجال الخلايا الجذعية.

    وليست مثل هذه الشراكات إلا محورًا أساسيًا في استراتيجيات نقل المعرفة التي يعتمدها معهد قطر لبحوث الطب الحيوي على حدّ تعبير الدكتور الأشول الذي أضاف قائلًا: «من الناحية الاستراتيجية، نتطلع إلى أن يصبح معهد قطر لبحوث الطب الحيوي مركزًا للتعلم المتقدم في مجالي الطب الحيوي والصحة، وأن يكون عنصرًا فاعلًا في بناء قدرات دولة قطر والمنطقة. ففي المقام الأول، يعد معهد قطر لبحوث الطب الحيوي مؤسسة وطنية، ورغم ما نحرزه من تقدم على صعيد أولوياتنا، فإننا لا نغفل المنظور الوطني عند النظر إلى الأمور ودائمًا ما نسأل أنفسنا: ما الذي يغيب عن ناظرنا؟».

    يضع معهد قطر لبحوث الطب الحيوي معيارًا أساسيًا في اختيار شراكاته الدولية يقوم على أساس التعاون مع المؤسسات المرموقة التي تحظى بالسمعة الطيبة في المجالات المعنية. كما لا يدخل في شراكة مع أفراد أو مؤسسات إلا انطلاقًا من الاهتمامات العلمية والطموحات المشتركة. ولابد لهذه الشراكات أن تقوم على التزام متبادل بين المؤسستين، ودائمًا ما يكون تركيز شركاء معهد قطر لبحوث الطب الحيوي منصبًا على دوره في الإسهام في بناء القدرات المحلية والنقل الفاعل للمعرفة لدولة قطر، مع حث الخطى للأمام دونما وجل أو تردد (نحو المشروعات عالية المخاطر، مبهرة النتائج).
    IMG_8455.jpg
    ويرى وليد قرنفلة، مدير تطوير التكنولوجيا الحيوية بمعهد قطر لبحوث الطب الحيوي، أن تأثير الشراكة الفاعلة يقع على عدة مستويات، قائلًا: «ننظر إلى الشراكات باعتبارها وسيلة لإحراز تقدم طبي وإحداث طفرة نوعية لاسيما في القضايا الصحية التي تعنى بها دولة قطر، فهي بالنسبة لنا وسيلة نضمن من خلالها استدامة برامجنا البحثية ومواصلة التطورات التي تحرزها مرافقنا البحثية على الأمد الطويل. كما يمكن الوقوف على آثار مثل هذه الشراكات على 3 مستويات، أولها: تسريع وتيرة الطفرات التي نحققها في مجال المعرفة والتكنولوجيات المتقدمة، وثانيها: التحقق من فعّالية المنهج الذي يتبعه المعهد في إعداد البرامج البحثية، وآخرها: استكشاف الأسلوب الأنسب لبناء القدرات والذي يوفر لنا فرصًا للتواصل مع الباحثين الآخرين في المنطقة، وتأسيس هياكل للتعاون معهم. ولا شك أن مثل هذه الشراكات ستسهم في تبوء معهد قطر لبحوث الطب الحيوي ودولة قطر لمكانة ريادية في المجالات البحثية ذات الأولوية».

    شحذ الهمم نحو العلوم
    آخر المجالات التي تصب فيها جهود معهد قطر لبحوث الطب الحيوي لبناء قدرات البلاد مجال ينطوي على محوري التعليم والتعاون المحلي والدولي، ألا وهو تشجيع المبادرات التي ترتكز على العلوم. يمثل برنامج كلية طب هارفارد لعلم بيولوجيا وعلاج مرض السرطان، وهو مبادرة مشتركة بين مكتب كلية طب هارفارد للتعليم العالمي ومعهد قطر لبحوث الطب الحيوي، أحد نماذج هذه المبادرات.
    null
    يمتد البرنامج لاثني عشر شهرًا ويقدم شهادة للتعلم المشترك. صُمم البرنامج خصيصًا ليزود المشاركين بمهارات ومعارف حول بيولوجيا مرض السرطان والتعرف على أحدث وسائل الوقاية والعلاج المبتكرة. ويتألف البرنامج من 15 حلقة دراسية تفاعلية تبث مباشرة عبر شبكة الإنترنت على مدار 12 شهرًا، بالإضافة إلى 45 محاضرة مسجلة و3 ورش عمل يحضرها المشاركون شخصيًا وتقام في الدوحة ولندن وكلية طب هارفارد في بوسطن بولاية ماساتشوستس.

    في معرض حديثها عن الأهمية البالغة للبرنامج ودور معهد قطر لبحوث الطب الحيوي، تحدثت الدكتورة ريم العلبي، باحثة ما بعد الدكتوراه، لمجلة «المؤسسة» قائلةً: «يؤدي معهد قطر لبحوث الطب الحيوي دورًا فريدًا مقارنة بالمعاهد البحثية الأخرى. فهو ليس مجرد معهد بحثي في ظل تطلعه لأن يكون محورًا لبناء القدرات في المنطقة، وموطنًا للبرامج التدريبية المتقدمة، ومنصةً للتواصل بين مختلف العقول. أمّا على المستوى الدولي، فقد أكدت هذه البرامج قدرة معهد قطر لبحوث الطب الحيوي ومؤسسة قطر على تبوء مكانة رفيعة في مجال البحث العلمي؛ وما نرغب فيه في الوقت الحالي هو الانضمام إلى السباق العالمي في إحراز تقدمات علمية. تغمرنا السعادة بما نلقاه من اهتمام من المجتمع العلمي في دولة قطر والمنطقة؛ إذ تلقى البرنامج أكثر من 250 طلبًا، ومن المتوقع أن يلتحق بهذا البرنامج الفريد من نوعه أكثر من 20 طالبًا وعالمًا وطبيبًا من دولة قطر».

    ويزمع معهد قطر لبحوث الطب الحيوي إطلاق برنامج العلماء الشباب. وينطوي البرنامج على مشاركة موظفي وعلماء معهد قطر لبحوث الطب الحيوي في عدة فعاليات ترمي إلى تعريف طلاب المدارس بمواطن الإثارة في دراسة العلوم لتشجيعهم على اتخاذ مسار مهني في مجال العلوم.

    يستهدف البرنامج أطفال المدارس من جميع المراحل العمرية ويسعى إلى زيادة وعيهم بمختلف جوانب مجال البحث الطبي والصحة من خلال تنفيذ عدد متنوع من الأنشطة على نحو مسل وجذاب.

    يعد البرنامج دليلًا حيًا على مكانة معهد قطر لبحوث الطب الحيوي كمعهد بحثي يصرف جلّ جهده نحو نقل معارف العلوم لأطفال المدارس والطلاب الجامعيين وطلاب الدراسات العليا والعاملين في مجال الطب، بما يضمن وصول رسالته لمختلف الأجيال والتواصل مع كافة أفراد المجتمع سواء في دولة قطر أو خارجها.

    استأنفت الدكتورة ريم العلبي حديثها قائلةً: «حتى نبلغ هدفنا الرامي إلى تطبيق منهجية الطب الشخصي، لابد أن يشارك القطريون في مهمتنا كعلماء محليين. فمن غير مشاركتهم وتقديمهم للعينات البيولوجية والبيانات القيّمة، لن يتسنى لنا تحقيق هدفنا نحو تقديم طب شخصي دقيق. إننا جميعًا شركاء في هذه الرحلة المثيرة. وحتى يتحقق ذلك لابد أن نستخدم وسائل فاعلة لتعريف أفراد المجتمع بقيمة الأمة التي تستثمر جهودها في البحث العلمي. فلا غنى عن التواصل الفعّال مع أفراد المجتمع كشرط أساسي للتنمية المستدامة في مجالات البحث العلمي في دولة قطر. وإذا ما نجحنا في تحقيق هذا الهدف، فإن ذلك سيرجع للجهود التي نبذلها داخل المعامل».