بحوث رائدة لاستكشاف المزيد عن هواء دولة قطر

    وقفات: محمد أيوب، مدير برامج البحوث في معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة

    تفتقر منطقة الشرق الأوسط إلى وجود دراسة متعمقة لغلافها الجوي، وهي الحقيقة التي بدت جلية عند محاولتنا في الوقت الراهن التعرف على كيمياء الغلاف الجوي، وكذا عند محاكاة أو عمل نموذج للأرصاد الجوية وجودة الهواء لمنطقة الشرق الأوسط.

    دعنا نضرب مثالاً على ذلك، يتيح لنا استخدام النماذج المعترف بها عالمياً لمحاكاة الغلاف الجوي فرصة التعرف على مدى تأثير الانبعاثات وأنماط الطقس في صحتنا وحياتنا اليومية، بيد أن التصميم الداخلي لهذه النماذج بني على بعض الافتراضات التي تتناسب مع البيئات الواقعة في نصف الكرة الشمالي عند منتصف خط العرض، وبالتالي يبقى مدى إمكانية تقديم تلك النماذج لنتائج صحيحة لتلك البيئة الصحراوية القاحلة التي تميز دول مجلس التعاون الخليجي غير معلوم، ما دفعنا في معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة للعمل مع نظرائنا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لتطوير نماذج محاكاة خاصة بديناميكيات الغبار وتحسين أداء النماذج المعول عليها في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي سيتيح لنا التنبؤ بجودة الهواء على المستوى المحلي ويمنحنا نتائج أدق لمحاكاة مناخ المنطقة والتعرف على التأثيرات الناجمة عن تغير المناخ.

    ولا تقف مهمتنا عند محاكاة الغلاف الجوي فحسب، بل تمتد لتشمل قياس نسبة تلوث الهواء بصورة مباشرة، سواءً كان على الأرض أو في طبقات الغلاف الجوي المرتفعة. وستشهد الشهور القليلة المقبلة تشغيل خمس محطات لمراقبة جودة الهواء ستغطي مدينة الدوحة. وستعمل هذه المحطات المعقدة على مراقبة جودة الهواء بشكل فوري وإرسال التقارير إلى قاعدة بيانات مركزية يمكن استخدامها في تقييم جودة الهواء والتنبؤ بالأرصاد وعرض النتائج أمام الجمهور.

    من جهة أخرى، تربطنا شراكات مع وزارة البيئة وجامعة كارنيجي ميلون في قطر وكلية شمال الأطلنطي في قطر وجامعة قطر بهدف دمج محطات مراقبة جودة الهواء القائمة وتلك المخطط لإقامتها، كما نعي أهمية توسيع نطاق هذه المحطات لتشمل المناطق الأخرى في مختلف أنحاء دولة قطر.

    نعكف، بالإضافة إلى ما سبق، على دراسة كيمياء الغلاف الجوي كي يتسنى لنا التعرف على آليات التفاعلات التي تؤدي إلى تكون الملوثات الثانوية مثل غاز الأوزون الذي يعد منتجاً ثانوياً للتفاعل الضوئي الكيميائي بين المركبات العضوية المتطايرة وأكاسيد النيتروجين.

    ويلاحظ أن درجات الحرارة المرتفعة والإشعاعات الشمسية المتزايدة، الناجمة في أغلب الأحيان عن صفاء الأجواء، إلى جانب الرطوبة النسبية ومصادر انبعاثات المركبات العضوية المتطايرة وأكاسيد النيتروجين كلها عوامل تسهم في تكون هذه الملوثات، وهنا تكمن أهمية التعرف على دور كل من هذه العوامل في تخفيف أثرها، وكذا إدارة جودة الهواء.

    وتجدر الإشارة إلى أننا نعمل بالتعاون مع مجموعة نظم المعلومات الجغرافية التابعة لمعهد قطر لبحوث البيئة والطاقة لتتبع مكونات الغلاف الجوي من خلال خاصية الاستشعار عن بعد التي تعتمد على الأقمار الصناعية. ولا نزال نعمل على قياس نسبة تركيز الأوزون باستخدام جهاز يحمله منطاد مخصص لهذا الغرض.

    لاقت هذه المنهجية الشاملة التي ترنو إلى التعرف على جودة الهواء وديناميكيات الغلاف الجوي دعماً كبيراً من مجموعات بحوث الطاقة والبيئة الأخرى العاملة في معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة، ما أفسح مجالاً لتحقيق التعاون بين مختلف التخصصات ووضع المعهد في الصدارة كجسر يمكن من خلاله تحقيق أهداف رؤية قطر الوطنية 2030. والحق يقال، إنه لمجتمع يتحلى بالمعرفة والنضج ويتميز بقدرته على تحقيق التوازن بين مصادر الطاقة ومتطلباته الاقتصادية من ناحية واحتياجاته الصحية والبيئية من ناحية أخرى.