إطلالة جديدة على عالم المعرفة

    تكرَّمت صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر، فشملت برعايتها الكريمة حفل الإعلان عن مكتبة قطر الوطنية في 19 نوفمبر 2012، ومن المتوقع أن تغدو المكتبة الجديدة التي ستعمل على مدار الساعة مورداً حيوياً تعتمد عليه دولة قطر في مسيرتها نحو بناء الاقتصاد القائم على المعرفة.

    تشغل الدكتورة كلوديا لوكس منصب مدير مكتبة قطر الوطنية، مما يتيح لها الاضطلاع بمركز الريادة في مبادرة ستنعكس بفوائد جمَّة على أبناء دولة قطر لعدة سنوات مقبلة. وفي السطور القليلة القادمة، تحدِّثنا الدكتورة لوكس عن الأهمية التي تحظى بها المكتبات في العصر الرقمي.

    ستحظى مكتبة قطر الوطنية الجديدة بقدرة استيعاب مذهلة تصل إلى 1.2 مليون كتاب ورقي 500 ألف كتاب إلكتروني، كما ستقدِّم المكتبة باقة من أرقى الخدمات الرقمية الحديثة، جنباً إلى جنب مع المطبوعات الدورية والصحف والمجموعات الخاصة وقواعد بيانات نصية كاملة. فما هي أهم الفوائد التي ستنعكس على دولة قطر من بناء مثل هذه المكتبة العظيمة؟

    يعتمد إنشاء نظام مكتبي عالمي في أية دولة على وجود مكتبة وطنية متميّزة، وستفتح هذه المكتبة الجديدة أبوابها أمام جميع المقيمين في دولة قطر، وستقدّم خدماتها لكافة المهتمين بالحصول على تعليم مستمر لا ينقطع مدى الحياة.

    كما ستقدِّم هذه المكتبة الجديدة فوائد جمّة على المدى الطويل، إذ ستؤدي إلى غرس حب القراءة والاطّلاع في نفوس الأطفال والشباب على حد سواء، إذ لا يقتصر الأمر فحسب على الفوائد المباشرة التي سيجنيها الأطفال من تعلُّمهم كيفية العثور على المعلومات التي يبحثون عنها في قاعدة بيانات، بل إن الفائدة المتحققة تتعاظم لتصل إلى مستوى أرقى من ذلك حين يدرك الأطفال الجوانب الممتعة في القراءة وفن سرد القصص.

    ستوفِّر مكتبة قطر الوطنية دعماً متميزاً للباحثين والأكاديميين، إذ ستتيح لهم مورداً مباشراً وسهلاً للحصول على المعرفة عبر عدد متنوع من الوسائط. كما ستقدم المكتبة طائفة من البرامج التعليمية تتضمن مواداً رقمية ومطبوعة لتنمية الحس الأدبي و300 جهاز حاسوب للاستخدام العام ومرافق لإنتاج الوسائط الإعلامية الرقمية وباقة أخرى متنوعة من المرافق والخدمات.

    يتوفّر لدينا في الوقت الراهن مجموعة متميّزة للغاية من الكتب والمواد الصحفية، غير أننا نستمد تميّزنا من باقة المواد الإلكترونية التي ستضمّها المكتبة وبعضها متاح الآن بالفعل عبر موقعنا على شبكة الإنترنت: www.qnl.qa وسنواصل إضافة المواد إلى المكتبة الإلكترونية عبر مراحل متتالية. نحرص على شراء الكتب باللغتين العربية والإنجليزية، بيد أننا سنعمل أيضاً على توفير كتب تغطي معظم لغات الوافدين المقيمين على أرض دولة قطر، بيد أن الأمر ربما يستغرق أعواماً لبناء رصيد زاخر من الكتب.

    بدأت عمليات البناء في شهر سبتمبر 2011 ومن المقرر أن توضع اللبنات الأخيرة قرب نهاية عام 2013 في الموقع المتاخم لجامعة جورجتاون، كلية الشؤون الدولية في قطر، ونعتزم القيام بافتتاح جزئي في ربيع أو صيف عام 2014، ثم سنقوم بإضافة بعض اللمسات الأخيرة قبل الافتتاح الرسمي في نهاية العام نفسه.

    ما هي رؤيتك لمسيرة تطور المكتبة على مدار العشرين سنة القادمة؟

    سوف تحرص مكتبة قطر الوطنية على تطوير مجموعتها الكاملة من الكتب والمطبوعات طوال العقد القادم، وتتطلع إلى أن تغدو مركزاً إلكترونياً يتيح سهولة الوصول لكافة قواعد البيانات في دولة قطر. ستتيح المكتبة للجميع إمكانية الاستفادة بما تقدِّمه، بدون الحاجة إلى مغادرة منازلهم وذلك عبر الخدمات المتنقلة، غير أنهم سيحبون كثيراً القدوم إلى المكتبة للمشاركة في الأنشطة التي تستعرض أحدث الأجهزة ويتاح لهم من خلالها التعرّف أكثر على الخدمات المحمولة والتعلّم بالتجربة. لن تقتصر هذه الأنشطة على استعراض المواد الحديثة فحسب، بل ستعمد أيضاً إلى تناول مواد من التراث القطري. ستضطلع المكتبة أيضاً بدور مهم في تطوير جميع جوانب التراث القطري جنباً إلى جنب مع الحفاظ على كتب الأنساب وسجلات تسلسل نسب العائلات القطرية. ستحذو المكتبة الجديدة حذو مكتبة دار الكتب القطرية التي تأسست عام 1962 كواحدة من أولى المكتبات العامة في منطقة الخليج، كما ستعتمد المكتبة أيضاً على إنجازات مكتبة التراث العربي والإسلامي وتواصل مسيرتها.

    سبق لكي تقلُّد منصب المدير العام لمكتبة برلين المركزية والإقليمية، كما تولّيتي رئاسة الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات، فما هي ملابسات اتخاذك القرار بالانتقال إلى دولة قطر والاضطلاع بقيادة مكتبة وطنية جديدة؟

    تعدّ مكتبة برلين المركزية والإقليمية واحدة من أبرز المكتبات الحضارية في ألمانيا، وتضمّ مجموعة من الوثائق التاريخية لمدينة برلين، ولذا فإنني أتمتع بخبرة في مجال يتفق مع ما هو مطلوب لتطوير مكتبة قطر الوطنية. بيد أن أحد أهم العوامل التي أخذت قراري بناءً عليها كان هو نجاحي أخيراً في إقناع السلطات في مدينة برلين بالموافقة على إنشاء مكتبة حضارية جديدة، إذ إن المكتبة الموجودة حالياً تنقسم بين مبنيين مختلفين في شرق وغرب برلين.

    وحين تلقيت عرضاً بالانتقال إلى دولة قطر لأتولى رئاسة مكتبة مركزية، تطورت فيما بعد لتنبثق عنها خطة إنشاء مكتبة وطنية، استهوتني الفكرة تماماً، وكان أهم ما جذبني إليها هو الرؤية التي تتبناها مؤسسة قطر والخطة التي رسمتها لتقديم تعليم عالمي في دولة قطر. وحين رأيت التصميم المقترح لمبنى المكتبة من إبداع المعماري المعروف ريم كولهاس أعجبت به للغاية. لقد زاد اقتناعي بالفكرة حين أتيت إلى دولة قطر للمرة الأولى، فمما رأيته أستطيع أن أقول أن ثمّة رؤية عامة هنا لبناء شيء يختلف تماماً عن كل ما قُدِّم من قبل، ويشرفني أن أكون جزءًا من هذه الرؤية.